نشأة الشعر الديني عند العرب

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم (الجزائر)

لم نلحظ فيما وصل إلينا من شعر الجاهليين ما يشير إلى طقوسهم الدينية أو التعصب للعبادة، على الرغم من أن هؤلاء الشعراء كانوا فئات، من مسيحيين ويهود وعبدة أوثان. ورغم هذه الفروق الدينية، التي عادة ما تفرق بين أفراد المجتمع في ذلك العصر، إلا أن الحروب التي كانت تنشب بينهم كانت في معظمها قبلية أو عرقية. ومما وصل إلينا إشارات عابرة إلى التوحيد جاءت في ثنايا قصائد بعض الشعراء الأحناف أو النصرانيين كورقة بن نوفل وعدي بن زيد. ولما ظهر الإسلام لم يرض كثير من عرب مكة بالرسالة المحمدية، فحاربوا محمدا (ص) بالسلاح كما حاربوه بالقول، إذ وظفوا بعض شعرائهم للطعن في رسالة الإسلام ونقذ المسلمين، بدعوة الدفاع عن معتقداتهم الدينية وهي عبادة الأصنام.
وقد تحالف كل من الكفار واليهود ضد الإسلام، ومن الغريب أن يتفق أهل التوحيد مع المشركين. وهذا يعني أن الأسباب التي جعلت هذه الطوائف تناهض الإسلام لم تكن دينية، ولم يكن هؤلاء يولون اهتماما بدينهم قبل الإسلام، وإنما مراكزهم في المجتمع القبلي ومصالحهم الشخصية هي التي حركتهم لمحاربة الإسلام والمسلمين. لذا، لا يمكن اعتبار الشعر الذي قيل في مناهضة المسلمين شعرا دينيا، فهو لا يخرج عن كونه شعر نقائض أو هجاء سياسيا.
وللرد على هؤلاء المعارضين، انتدب الرسول الكريم ثلاثة من خيرة شعراء المسلمين للدفاع عن الرسالة المحمدية، وهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، فمنهم من حارب المشركين بالسيف والقلم معا، ومنهم من استشهد في المعركة. لكن شعر هؤلاء لم يتوقف عند الدفاع عن الرسول ورسالته، وإنما نظموا قصائد يمدحون فيها النبي (ص) ويشيدون بفضائل الإسلام. ومن هنا نستطيع القول أن الشعر الديني عند العرب بدأ مع المدائح النبوية.
وفي القرآن الكريم نجد كثيرا من الآيات في مديح الله جل جلاله والاعتراف بفضله على المخلوقات وقوته. لذلك سار الشعراء في تقديس الله لما رأوه في سر خلقه في الطبيعة والكون. ومن أوائل الشعراء المسلمين الذين نظموا في مدح الإله، حسان بن ثابت الذي يقول:

وأنت إله الخلق ربي وخالقي *** بذلك ما عُمرتُ في الناس أشهد
تعاليت رب الناس عن قول من دعا *** سواك إلها أنت أعلى وأمجد
لك الخلق والنعماء والأمر كله *** فإياك نستعين وإياك نعبد

استخدم حسان الألفاظ التي يرددها المؤمن في الصلاة والعبادة، لذلك راح يدعو الله ويشهد بفضله. وكان حسان خير قدوة لشعراء المسلمين الذين نظموا في المديح الديني.
لقد امتدح الشعراء الأنبياء كلهم قبل الإسلام، لكن ذلك ورد في مقطوعات أو ثنايا الأشعار، ولم يتطور مثلما تطور الشعر في مدح الرسول الكريم خاتم الأنبياء، وفي الثناء على رسالته، وقد أدمج الشعراء تمجيد الرسالة الإسلامية بمدح الرسول.
وكان الشعراء المخضرمون الذين آمنوا قد مدحوا الرسول وأشادوا برسالته، فمنهم النابغة الجعدي الذي نظم قصيدة طويلة في مدح المصطفى، وأما الأعشى الذي كان مترددا، فقد مدح هو أيضا الرسول (ص) بقصيدته الدالية يريد بها وجه النبي، الذي يقول فيها:

نبي يرى ما لا ترون وذكره *** أغار لعمري في البلاد وأنجد
له صدقات ما تغب ونائل *** وليس غطاء اليوم مانعه غد

بدا من خلال هذه القصيدة أن الأعشى كان بعيدا عن فهم الدين الإسلامي ومبادئه، فاستخدم في مدحه الأدوات نفسها التي ألفها العرب في الجاهلية، إذ لم يفرق بين الزعيم الديني ورئيس القبيلة(1).
ولعل أشهر قصيدة نظمت في مدح الرسول، في ذلك الوقت، هي « بانت سعاد » لكعب بن زهير وقلدها الشعراء على مر العصور. وقد بدأها بالنسيب الخالص ثم وصف ناقته وبعدها انتقل إلى مدح الرسول. وهذا دليل على أن الرسول لم يقف لا في وجه شعر الغزل ولا في وجه الشعراء، وإنما كان يريد من الشاعر أن يتحول من شاعر قبيلة إلى شاعر أمة، يوظف شعره في خدمة المجتمع ونشر مكارم الأخلاق.
وبعد ذلك ظهر شعر الزهد عند المسلمين، وكان أول من زهد في الحياة منهم، الصحابة، وقد فعلوا ذلك عملا بحديث الرسول (ص) الذي يقول: « ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ».
فإذا كان الزهد قد استمد معانيه من سيرة الرسول (ص) والقرآن الكريم في عهد الصحابة والخلفاء الراشدين، فإن ظروفا حتمته على بعض الشعراء بعد تطور المجتمع الإسلامي واتساع رقعة الفروق الطبقية بين أفراد المجتمع، مما أدى إلى انعزال بعض الناس ولجوئهم إلى الزهد. فقد اشتهر أهل العراق بالزهد نظرا للفتن والحروب والحرمان الذي أصابهم في بلادهم.
ورغم استهتار بعض الشعراء وعبثهم إلا أنهم كانوا يجسدون في شعرهم صورا تعبر عن إيمانهم بالله والندم على ما ارتكبوه من معاص. ومن الشعراء من لجأ إلى الزهد بعد فشله في الحب أو عند تقدمه في السن. ومن الشعراء أيضا من نظم قصائد في الزهد تكفيرا لما صدر منه من مجون في أيام الشباب، ويسمى هذا الشعر بالمكفر.
وكان أبو العتاهية في العصر العباسي أول من طرق باب الوعظ والتزهيد في الدنيا لمعارضته معاصريه ممن انغمسوا في ملذات الحياة والمجون والزندقة. وهذا النوع من الشعر الوعظي أدى إلى ظهور شعر ينتقد الأوضاع الاجتماعية ويدعو إلى الإصلاح. هذه الأوضاع المتردية ساعد على ظهورها فساد الحكم في ذلك الوقت.
وقد امتدت نزعة الزهد إلى شعراء الأندلس، الذين لم يتركوا غرضا من الأغراض الشعرية التي ظهرت في المشرق إلا وطرقوه وتفننوا في موضوعاته، ولكنهم فاقوا المشارقة في غرض الزهد من حيث غزارته وتوليد معانيه ورسم صوره(2).
نزعة الزهد لدى المسلمين هي في أصلها قيمة من قيم الإسلام الخالصة، لكن بعد الفتوحات الإسلامية واختلاط العرب بغيرهم من الشعوب، تسربت إلى الزهد الإسلامي بعض الخصائص من الأديان الأخرى، ولا سيما زهد المسيحية التي كانت منتشرة عند السريان في بلاد الشام وشمال العراق وأقباط مصر.
وقد أدى تطور الزهد إلى ظهور التصوف، وهو أسمى من الزهد ويتصل بحب الله، لكن الشعراء كثيرا ما يبالغون في هذا الموضوع حتى ليظن الناس أنهم يلحدون. والزهد والتصوف من الأمور المتلازمة في غالب الأحوال، بعث على وجودهما في المشرق الترف البالغ والتحلل والانسكاب على الملذات، وتطور بتطور المجتمع الإسلامي بعد احتكاك المسلمين بغيرهم من شعوب الأمم الأخرى.
ويظهر أن الفرق ما بين الزهد والتصوف هو الفرق ما بين الاعتدال والمبالغة، فالزهد دعوة إلى ترك الكماليات، والأخذ بما هو ضروري لا غير، أما التصوف فإنه مبالغة في الصوم الدائم والجوع والحرمان(3). لكن صاحبه لا يحس بهذا الحرمان بل يتلذذ به.
فالشعر الصوفي نوع من الشعر يكون إلهيا محضا، تستخدم فيه المادة الشعرية للرمز عن الحقائق، وهو شعر مؤول، لا يقصد ظاهره، وإنما له محامل يحمل عليه وتليق به(4). غير أن هذا الشعر واجه عبر العصور انتقادات حادة من قبل النقاد من فقهاء ومتكلمين، نظرا لغموضه واعتماده على الرمز أحيانا، وغلوه أحيانا أخرى. لكن ليس معنى ذلك أن هؤلاء النقاد لم يتصرفوا في نقدهم بعصبية أو نزعة مذهبية.
حين امتزج الحب العذري بالروح الإسلامي أفضى إلى التصوف العربي الخالص الخالي من الأفكار الأجنبية العقلية والدينية. ثم « امتزج الهوى العذري بالإيمان الإسلامي، وبالفلسفة الأخلاقية المثالية الإغريقية، وتألف من هذه العناصر الثلاثة جو روحي وفكري جديد، وخاصة حين انتشر التفلسف وشاعت أفكار الفلاسفة اليونانيين »(5).
كان عمر بن الفارض، أشهر علماء الصوفية في القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، وهو زعيم الصوفيين في المشرق، يتحدث عن نساء بني عذرة، ليلى وعزة وبثينة، تماما مثلما يفعل الشعراء العذريون، لكنه كان يرمز بهذه الأسماء إلى الذات الإلهية، وكان أيضا يتحدث عن المواضع التي كانت تثير حنين العذريين(6).
ويرتكز التصوف على عنصرين أساسيين، أولهما العنصر العاطفي وهو النزعة إلى الحب التي تتجلى في العناصر الغزلية عند الشعراء. أما الثاني، فهو العنصر الفكري المتمثل في عفة النفس. قال رسول الله (ص): « من أحب فعف فكتم ومات، مات شهيدا ». والاستشهاد في سبيل الحب لا يكون إلا بالعفة والكتمان، وهذا هو العنصر الأخلاقي في التصوف عند العرب (حب المرأة، الإيمان بالله، والالتزام بالعفة).
هذا هو التصوف العربي الخالص، لكن في أواخر القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي، تحول إلى شذوذ فكري عندما اختلط العرب بالأجانب، فأضافوا إليه رموزا وأوهاما وأساطير، ذهبت به إلى المبالغة.
ولما كان الصراع بين المرأة العربية والجواري العجميات حادا في العصر العباسي الثاني، ثم فقدت المرأة العربية شخصيتها، سادت الاتجاهات الأجنبية في ديار الإسلام. وبذلك فقد التصوف عنصره العربي وهو الهوى العذري، واقتصر على الجانب الروحي والفلسفة اليونانية. وكان بعض الفلاسفة ممن عارضوا العقلانية ووقفوا في وجه الحب، هم من جرد التصوف من العاطفة، ومعظم هؤلاء من مسلمي المشرق الذين ينحدرون من أصول غير عربية.
وإذا كان اسم التصوف قد ظهر في الاستخدام بعد القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي، فهذا لا يعني أنه من أصول أجنبية، بل ظهر نتيجة تطور الزهد الذي ارتبط بالروح الإسلامي مثلما ذكرنا سابقا. لذلك لا بد من القول أن التصوف نشأ من داخل الإسلام نفسه في مناهجه ومفاهيمه التي يوجد لها نصوص عديدة في القرآن والسنة(7).
ولا يظهر في كتب المتصوفة الزهاد القدامى ما يدل على أنهم تأثروا بالمسيحية أو بأي مصدر أجنبي آخر، باستثناء بعض الأمور الفلسفية السطحية. بل ظهر التصوف قبل ذلك بدوافع إسلامية بحتة. فالتصوف ظاهرة إسلامية نشأت في جو الإسلام وبيئته لكنه تأثر بعوامل خارجية بعد احتكاك العرب المسلمين بغيرهم أثناء الفتح وبعده.
لقد بدأت حركة التصوف زهدا وورعا ثم تطورت فأصبحت تتشدد في العبادة ثم سلكت اتجاها نفسيا وعقليا فابتعدت عن منبعها الأصلي وربما عن الإسلام أيضا في بعض أوجهها المتطرفة(8). فالإيمان لم يمنع بعض المتصوفة من تبني أفكار أجنبية. إن المؤثرات الدخيلة في الطرق الصوفية أتت من مصادر متعددة منها:
التأثير الهندي الذي يتمثل في ميل الهنود إلى حياة التقشف والزهد وإلى احتقار اللذات الجسدية وهذا ما يتوافق مع بعض السلوكات الصوفية. أما التأثير اليوناني فهو يتجلى من خلال نقل فلسفة اليونان، وعلى وجه الخصوص كتب أرسطو وأفلاطون التي لا تخلو من التصوف؛ لقد تأثر المتصوفة العرب بمذهب أفلاطون في النفس كما تأثروا بأرسطو طاليس في مفهومه لطبيعة الخالق وعلاقته بالمخلوقات.
أما فيما يخص المسيحية، فقد تأثر متصوفة الإسلام بنظام الرهبنة في تعذيب البدن، والامتناع عن الزواج، واعتزال الناس والاكتفاء بالقليل من لباس وطعام. كما تأثر متصوفة الإسلام بمفهوم الحلولية عند المسيحيين، الذي يعتقد أن المسيح هو عقل تجلى في شخص عيسى الإنسان. وممن أخذوا بمذهب الحلول الذي يخالف مبادئ الإسلام، الحسن بن منصور الحلاج الذي استبيح دمه(9). ومفهوم الحلول الذي يذهب إلى اتحاد الصورة بالمادة، يعود إلى أصول يونانية. انتقل هذا المفهوم إلى متصوفة الإسلام في المشرق عن طريق السريانية المسيحية. وقد اتهم كل من يعمل بهذا المذهب بالزندقة ويستوجب قتله، أما بعض المستشرقين فقد جعلوا من هذا الصنف من المتصوفة شهداء رأي، كما فعل لويس ماسينيون في دراسته للحلاج.
لكن الثورة عند المتصوفة والزهاد لم تكن فعلا إيجابيا في إصلاح أوضاع المجتمع أو تغيير النظام السياسي كما يريده هؤلاء المتصوفة، بل كانت ثورة ذاتية وجدانية. ورغم ذلك، نجد بعض علماء الإسلام من شيوخ وفقهاء قد عملوا كل ما في وسعهم على محاربة الصوفية وتجريدها من جانب المحبة، بدعوى الغلو والتعدي على حدود الله.
وكان أبو حامد الغزالي وابن تيمية من أبرز هؤلاء الذين عملوا على محاربة الصوفية وتجريدها من جانبها الفلسفي لما تحتويه من مذاهب غريبة عن تعاليم الإسلام حسب زعمهم. وفي الواقع، إن العقل كان العنصر المزعج لهذا الصنف من الشيوخ، ولا يخفى على أحد كيف كان موقفهم من الفلاسفة والعقلانيين الذين عملوا على التوفيق بين الروح والعقل.
لم يهتم الغزالي بحلول الأخلاق في عصره، ولا بفساد الحكام السلجوقيين الذين كان يعيش في كنفهم، ولا بالحملات الصليبية على بلاد الشام وما لحقها من دمار همجي، وإنما اكتفى بمحاربته للعقلاء، فظهر في ذلك العصر متصوفة أشبه ما يكونوا بالزنادقة.
أفضت مدرسة الغزالي إلى الجمود والخمول والانحطاط الذي لا يبقى معه للفكر قيمة ولا للخلق معنى(10). لأن هذه المدرسة التي تعارض العقل وتحارب المحبة، هي غير عربية وغير إسلامية، فقد كانت مزيجا من التفكير الفارسي والهندي. والتصوف العربي مبني على الحب العفيف الذي يمتزج بالروح الإسلامي. وتصوف الغزالي ومن تبعه لم يعرف الحب الإنساني الصحيح. لأن أبا حامد الغزالي لم يكن شاعرا وإنما اعتنق الصوفية عن طريق الفلسفة ومختلف الآراء، ولذا نجده يفتقد إلى الحب الذي أنشأت عليه الصوفية الإسلامية في أول الأمر. والمفكر الذي لا يحب لا يستطيع أن يخدم الإنسانية.
أما محي الدين بن عربي فهو من الشعراء، لذا اقترنت عنده الصوفية بالحب، والعشق الإلهي، ولأنه مر بتجربة الحب أيام الشباب. ولهذه الأسباب راح تلامذة الغزالي وابن تيمية، قديما وحاضرا، يحقدون على ابن عربي ويتهمونه بالشرك، ويصفونه بأوصاف لا يتقبلها العقل ولا تسمح بها تعاليم الإسلام. وكأن هؤلاء عاجزون عن حل رموز الصوفية وتأويلها الصحيح، إن لم يكن الاختلاف في التفكير والرؤى هو سبب هذا العداء الذي لا يليق بمقام العقلاء.
لقد حاول الغزالي بعد صراعه المرير مع الفلاسفة، تجريد التصوف من الفلسفة لما تحتويه من حب وعقلانية، وقد نجح في المشرق، لكن أفكاره لم تلق صدى في بلاد المغرب والأندلس. فقد ظلت الحركة الفكرية مستمرة هناك وبلغت ذروتها في عهد الموحدين، وظل التصوف مرتبطا بالحب(11). والحب الذي جاء في الأدب الصوفي هو تلك العفة التي استلهمها المتصوفة من الإسلام، ولم تكن بدعة كما يزعم أنصار الجمود واللاعقل.
لكن أسباب ظهور شعر الزهد والتصوف عند الأندلسيين لم تكن هي نفسها عند المشارقة. فإذا كان ظهور شعر الزهد والتصوف في المشرق بمثابة رد فعل للتحلل وفساد الأخلاق في المجتمع، فإن الأخلاق في المغرب والأندلس كانت مرعية والدين كان مقدسا(12). فالتصوف جاء عندهم رغبة منهم في مشاركة أهل المشرق في موضوعات الأدب من شعر ونثر، إلا أنهم فاقوا المشارقة في هذا المجال.
إن أقدم موشحات التصوف يُنسب إلى محي الدين بن عربي (ت 638 هـ – 1240 م) وهو من أشهر وشّاحي الصوفية. أما مصطلحات ورموز التواشيح الصوفية التي وظفها الأندلسيون فكانت أقرب إلى الغزل منه إلى التصوف. ولابن عربي ديوان يزخر بالموشحات والأزجال والمزنّمات، بالإضافة إلى كتب لا تحصى في التصوف كتبها في الأندلس والمغرب والمشرق.
فالحديث عن الحبيب عند المتصوفة لا يحلو إلا بالوصال، فالوشّاح يسعد بوصال الخل، ولا يبالي بما يقدم عليه الواشي، على خلاف الشعراء الغزليين الذين لا يستأثر عندهم الحديث عن الحبيب إلا بالهجر والمعاناة. ويظهر جليا أن بعض الألفاظ التي اعتاد على توظيفها الوشاح الصوفي وهي الواشي والخل والمنى والوصل، هي من مصطلحات الغزل، استعملها الصوفيون في طريقتهم ومنهم من استخدمها لمعارضة وشاحي الحب الدنيوي ووظفها لحب الذات الإلهية.
وقد طرق الوشّاحون باب الزهد في موشحاتهم، وفي هذا الميدان، يذم الوشاح الحياة الدنيا وملاهيها، ويمدح الحياة الأخرى، ويتشوق إلى لقاء ربه. ويُعد الزهد موضوعا تقليديا ورثه الأندلسيون عن شعراء المشرق، ولم يسم إلى درجة تميزه من غيره في الموشحات.
ومن الزهديات لون أستحدثه الأندلسيون في الشعر ثم انتقل إلى الموشح يدعى المكفر، وقد عرّفه ابن سناء الملك بقوله: « والرسم في المكفر خاصة أن لا يعمل إلا على وزن موشح معروف وقوافي أقفاله، ويختم بخرجة ذلك الموشح ليدل على أنه مكفره ومستقبل ربه عن شاعره ومستغفره »(13). وجاء في « العاطل » عن تعريف المكفر: « إن الأديب منهم إذا نظم موشحا في آخره خرجة زجلية تتضمن الهزل والأحماض، نظم بعدها موشحا معربا في وزنه وقافيته تتضمن الاستغفار والوعظ والحكمة ليكفر الله تعالى به عنه ذنب ذلك الأحماض في تلك الخرجة »(14). هذا ما استنبطه القدامى، وقد يستخدم المكفر لتكفير الذنوب أيضا.
اشتهر بالموشحات المكفرة، الوشاح ابن الصباغ الجذامي الذي أكثر من اقتباس مطالع موشحات غيره وخرجاتها التي بنى عليها مكفراته(15). كان ابن الصباغ الجذامي قد نظم في المجون واللهو عند شبابه، ولما بلغ سن الشيخوخة بدأ يتقرب إلى الله، فنظم في الزهد وأكثر منه في الموشحات ليكفر عما أسلف نظمه.
وفي المديح نظم الأندلسيون موشحات اختصت بمدح النبي محمد (ص). وقد نظم في هذا الغرض عدد من الوشاحين وفي مقدمتهم ابن زمرك الذي اشتهر بمولدياته وهي موشحات أحيا فيها ذكرى مولد الرسول الأعظم. من الوشاحين من أكثر من المدح دون غيره من الأغراض، فابن الصباغ الجذامي أورد له المقري عددا من الموشحات جاءت كلها في مدح المصطفى(16).
أما أبو الحسن الششتري (ت 668 هـ – 1269 م)، فقد وظف الأزجال في مدح النبي (ص) وكان أول من أدخل التصوف في الأزجال، كما اشتهر أيضا بالزهد الذي غلب على ديوانه. ولم يختلف الششتري عن ابن قزمان في تحديه الفقيه في عشق الملاح وشرب الخمر إلا في القصد. إذ أن الأول كان يجنح إلى الخلاعة والمجون والثاني كان يناجي الله.
ولم يجرأ الششتري لأسباب دينية، على ما يبدو، على تجريد لغة أزجاله من الإعراب كلية، بل جل أزجاله جاءت قريبة من الموشحات شكلا ولغة. وقد انفرد الششتري دون الزجالة الآخرين، في تكرار المطلع في جميع أقفال الزجل لفظا ووزنا.
ومن الأنواع الدينية التي تضمنها الزجل، موضوع المكفر، وهو الغرض الذي يتضمن الاستغفار والوعظ والحكمة، تكفيرا عن الهزل والأحماض التي ينظمها الزجال في شبابه قبل توبته. والمكفر ظهر في الشعر والموشح أولاً، كما ذكرنا سابقا، ومن الطبيعي أن ينتقل إلى الزجل، لأن الأزجال طرقت الأحماض والخلاعة أكثر من الأشعار الأخرى.
ونظرا لموقع الأندلس الإستراتيجي، واحتكاك الأندلسيين بغيرهم من شعوب الأمم الأوربية، استطاع الأدب الديني الأندلسي أن يتغلغل في أوساط البيئات الأدبية المسيحية، بفضل الترجمة التي كانت قائمة في القرون الوسطى، والبعثات العلمية الأوربية إلى الأندلس، وغيرها من العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية التي مر بواسطتها أهم أغراض وأشكال الأدب العربي، ومن بينها شعر الزهد والتصوف، من الجنوب إلى الشمال.
وفي هذا البحث نحاول أن نبين أوجه الشبه التي تضمنها الأدب الديني الأندلسي والأدب الأوربي في القرون الوسطى. وكذلك البواعث والأهداف التي دفعت بعض أدباء المسيحية إلى التأثر بالأدب العربي في الأندلس والمشرق.
يعد رايموندو لوليو (Ramon Lulle) الإسباني (1235 م – 1315 م) من الأوربيين الذين تأثروا مباشرة بالأدب الديني العربي. وهو من مواليد بالما ميروقة وابن أحد الفرسان ممن رافقوا الملك خايمه في احتلال الجزيرة وافتكاكها من الأندلسيين. أما فلسفته فهي غريبة المصادر ولا تمت بصلة إلى التراث الأوربي وقتئذ.
ألف رايموندو كتابين باللغة العربية، أولهما « التأليف والتوحيد »، والثاني رسالة « التأمل »، وقد جادل في بجاية بالجزائر فلاسفة مسلمين، وناقش في عنابة خمسين عالما عربيا(17). ومن خلال كتاباته، يظهر رايموندو إعجابه بالإيمان والعقل عند المسلمين، فهو يؤيدهم على إعراضهم للخمر، ويستدل بالأمراض الناجمة عن شربه، وقد دعا المسيحيين أن يضعوا اسم المسيح على رأس رسائلهم، تماما مثلما يضع المسلمون البسملة والصلاة على النبي(18).
وفي كتابه « بلانكيرنا » (Blanquerna)، دعا رايموندو ألا يسمح مستقبلا بأن يختلط الرجال والنساء في الكنائس على غرار ما يفعله المسلمون في المساجد. وفي كتابه « أسماء الله المائة »، يرى من المستحسن أن تمارس الكنائس يوميا إنشاد أسماء الله المائة بنغم، تماما مثلما يقرأ المسلمون القرآن الكريم في المساجد، وفضلا عن ذلك، فإن أسماء الله المائة من بين الأوراد التي يرددها المسلمون في المساجد والمناسبات الدينية.
ومن خلال ما ورد في كتبه، يتجلى بوضوح أن هذا الإسباني قد تأثر كثيرا بمحي الدين بن عربي الأندلسي، وعلى وجه الخصوص، في المنهج وطريقة العرض. لقد اقتبس لوليو فقرات عدة من كتب ابن عربي وغيره من المتصوفة المسلمين، ولكنه لم يهمل ذكر المصادر فحسب، بل حذف أسماء المؤلفين العرب أيضا. فالكثير من علماء أوربا ومترجميها في القرون الوسطى، كانوا يحرفون أسماء المسلمين أو يهملونها خوفا من الكنيسة التي حرمت دراسة معارف المسلمين.
وكان رايموندو الذي لا يعرف سوى لغته المحلية يجهل اللغة اللاتينية، ولم يولها اهتماما بالرغم من كونها لغة الكنيسة وقتئذ، بل تعلم اللغة العربية حتى أتقنها، وكان ذلك على يد عبد مسلم، وهذا من الأسباب المباشرة التي جعلته يتأثر بالمعارف العربية. ونظرا لتكوينه الكنائسي، كان يهدف من استخدامه اللغة العربية، تحويل المسلمين عن دينهم بالحجة المقنعة.
ومن الذين تأثروا أيضا بالأدب العربي خوان رويث كاهن هيتا الذي نظم قصائده على منوال الموشحات والأزجال من حيث الشكل. وفي كتابه « الحب الطيب »، وظف عناصر إسلامية في حديثه عن الحب، وقد تأثر في ذلك بابن حزم الأندلسي في « طوق الحمامة ». وخوان رويث كان يتكلم اللغة العربية وقد استخدم بعض مفرداتها في كتاباته الصوفية، لأنه كان على اطلاع واسع بالثقافة العربية الإسلامية في الأندلس(19).
ولم يكن كاهن هيتا وحده من نظم القصائد الدينية على منوال الموشحات والأزجال الأندلسية، بل هناك شعراء إنكليز نظموا قصائد في السيدة العذراء في القرون الوسطى، جاءت أيضا على منوال الموشحات والأزجال الأندلسية.
أما الشعراء الإيطاليون في القرون الوسطى فهم أيضا نظموا المدائح الدينية على الطريقة الأندلسية، والتزموا فيها اللغة الدارجة على النقيض من التراتيل اللاتينية التي تكتب بلغة الكنيسة، وكان جاكوبوني دي تودي (Jacopone di Todi) ممن التزموا قالب الزجل في نظمهم(20).
وإذا عدنا إلى الشعر البروفنسي في جنوب فرنسا الذي ظهر في القرن الثاني عشر الميلادي ونظم لأول مرة باللهجة الأوكسيتانية، نجد التروبادور (Troubadours) قد تأثروا بالشعر العربي في مضامينه وأشكاله، وعلى وجه الخصوص الموشحات والأزجال. ولم يقتصر تأثرهم في المضمون على الحب العفيف فحسب، بل نظموا أيضا قصائد في السيدة العذراء والمسيح على طراز الموشحات والأزجال الأندلسية التي طرقت باب الصوفية.
ظهر الشعر الديني في أوربا قبل ظهور الشعر الأوكسيتاني، لكن في شكل مدائح نظمها رجال الكنيسة من الرهبان بأسلوب لاتيني بسيط دون مراعاة وزن ولا قافية. أما في عصر التروبادور فإن هذا اللون من الشعر أخذ اتجاها جديدا، إذ ارتبط بالحب؛ فالشعراء الذين طرقوه كانوا فئات. وقد اختلفت آراؤهم باختلاف الأهواء والظروف التي عاشوا فيها. فمنهم من استخدم الحب للهجوم على الكنيسة ورجالها، ومنهم من استخدم الدين لمحاربة الحب الكورتوازي (courtois) الذي اعتبروه دينا جديدا، ومنهم من تطرق إلى المواضيع الدينية دون خلفيات ما.
أما توظيف الدين في الشعر الغرامي فلم تعرفه أوربا قبل ظهور حركة التروبادور في القرن الثاني عشر للميلاد، بل هو موضوع عربي قديم ظهر في المشرق قبل أن ينتقل إلى المغرب، وأكثر الذين اشتهروا به كانوا من العذريين، إذ نجد فكرة الدين لا تفترق عن قصيدة الغزل عند شعراء بني عذرة، وكأنهم اتخذوا من هذا الموضوع مذهبا لهم في الغزل.
لقد تطرق بعض الشعراء الأوربيين في أواخر حياتهم إلى نوع من الاستغفار في شعرهم يشبه المكفر عند الوشاحين والزجالين في الأندلس، وذلك كأن ينظم الشاعر قصيدة يتقرب فيها إلى الله وهو نادم على كل ما ارتكبه من إثم في أيام الشباب. وكان الكونت غيوم التاسع (1074 م – 1127 م) أول الشعراء الأوكسيتانيين من نظم قصيدة في هذا الشأن بعد ما أدركته الشيخوخة.
أما دانتي أليغري (1265 م – 1321 م) (Dante)، فقد جسد في « الكوميديا الإلهية » النموذج الحقيقي للرسائل العربية الدينية، مثل رسالة « التوابع والزوابع » لابن شهيد الأندلسي، و »رسالة الغفران » لأبي العلاء المعري، ورسائل « المعراج » وغيرها من الرسائل الدينية. لقد استخدم دانتي عبارات غريبة في « الكوميديا » يعتقد أنها مأخوذة من العربية. والجدير بالذكر، أن دانتي كان قد اطلع على بعض الكتب الأندلسية المترجمة، ومن بينها رسالة « المعراج »، التي جلبها إلى فلورنسا برونيطو لاتيني (Brunito Latini) أستاذ دانتي، بعد عودته من الأندلس. ولهذا، نجد هناك أوجه تشابه بين المعراج والكوميديا في الكثير من الأحداث(21).

الهوامش:
1 – سامي الدهان: المديح، دار المعارف، ط. 2، القاهرة 1968، ص 73.
2 – عبد العزيز عتيق: الأدب العربي في الأندلس، دار النهضة العربية، بيروت 1976، ص 220.
3 – إبراهيم علي أبو الخشب: تاريخ الأدب العربي في الأندلس، دار الفكر العربي، القاهرة 1970، ص 164.
4 – المصدر نفسه، ص 226.
5 – المكتب العالمي للبحوث: الحب عند العرب، دار مكتبة الحياة، بيروت 1980، ص 73.
6 – المصدر نفسه، ص 74.
7 – د. أسعد السمرائي: التصوف، منشئوه ومصطلحاته، دار النفائس، بيروت 1978، ص 44.
8 – المصدر نفسه، ص 47.
9 – المصدر نفسه، ص 54.
10 – المكتب العالمي للبحوث: الحب عند العرب، دراسة أدبية تاريخية، ص 79.
11 – المصدر نفسه، ص 73.
12 – إبراهيم علي أبو الخشب: تاريخ الأدب العربي في الأندلس، ص 164.
13 – ابن سناء الملك: دار الطراز في عمل الموشحات، تحقيق د. جودت الركابي، ط. 2، دمشق 1977، ص 51.
14 – صفي الدين الحلي: العاطل الحالي والمرخص الغالي، تحقيق ولهلم هونرباخ، فيسبادن 1955، ص 11.
15 – المقري: أزهار الرياض في أخبار عياض، القاهرة 1939 – 1942، 2/217.
16 – المصدر نفسه، 2/230.
17 – خوليان ريبيرا: الأصول العربية لفلسفة رايموندو لوليو، مستلة من كتاب، دراسات أندلسية في الأدب والتاريخ والفلسفة، للطاهر أحمد مكي، دار المعارف، القاهرة 1980، ص 168.
18 – المصدر نفسه، ص 170.
19 – أميريكو كاسطرو: حضارة الإسلام في إسبانيا، ترجمة د. سليمان العطار، دار الثقافة، القاهرة 1983، ص 158.
20 – أنخل غونزالث بالنثيا: الشعر الأندلسي وتأثيره في الشعر الأوربي، مستلة من كتاب، دراسات أندلسية في الأدب والتاريخ والفلسفة، للطاهر أحمد مكي، ص 219.
21 – عبد الرحمن بدوي: دور العرب في تكوين الفكر الأوربي، دار القلم، ط. 3، بيروت 1979، ص 53.

المصدر:
نشر هذا المقال في مجلة « حوليات التراث »، العدد الأول، سنة 2004، جامعة مستغانم، الجزائر.
د. محمد عباسة