العلاقات الاجتماعية بين العرب والفرنجة

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم (الجزائر)

إن الأدب الذي ظهر في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي في أوربا، وخاصة الشعر الغنائي منه، شغل بال الكثير من الدارسين والمقارنين، فراحوا ينقبون في أعماق التاريخ الأدبي للبحث عن جذوره ومصادره. غير أن جل الباحثين يذهبون إلى أن الأدب الأوربي قد تأثر في نشأته بنماذج الشعر العربي الأندلسي وموضوعاته. وأن الفكر الأوربي قد تأثر هو أيضا بالفلسفة العربية الإسلامية التي كانت سائدة في القرون الوسطى.
وكانت بواكير هذا الأدب هو الشعر الأوكسيتاني الذي ظهر في جنوب فرنسا في القرون الوسطى والذي يرجع في نشأته إلى عوامل خارجية منها السياسية والاجتماعية والثقافية. وتعد هذه العوامل الجسر الذي مر بواسطته الأدب العربي من الجنوب إلى الشمال، وكان التروبادور الفرنسيون (Troubadours) من السباقين إلى احتضانه. ويهمنا في هذا البحث، جانب واحد من هذه العوامل، هو العلاقات الاجتماعية المتمثلة في المصاهرة وأمراء الإقطاع والهجرة والتجارة.
المصاهرة عامل من العوامل الأساسية التي تؤدي إلى انتقال عناصر الحضارة من أمة إلى أخرى. وقد يكون من بين دواعي الزواج المختلط الحدود المشتركة والتعايش بين الأجناس. فالروابط الأسرية التي كانت قائمة بين العرب والإفرنج في المشرق والأندلس في القرون الوسطى ساهمت إلى حد كبير في انصهار الأجناس والتقارب الثقافي.
لقد صاهر حكام الأندلس ملوك نصارى الشمال، فكانت أمهات بعض الملوك المسلمين من النصرانيات(1). وكان بعض الملوك النصارى الذين يحكمون القسم الشمالي من شبه الجزيرة الأيبيرية، عادة ما يأتون إلى المدن الأندلسية لزيارة بناتهم أو قريباتهم، وكانوا يصطحبون عددا كبيرا من رجال الدولة وأفراد العائلة المالكة وأن الكثير منهم كان من أهل العلم والأدب. ومن المؤكد أن هؤلاء النصارى عند اختلاطهم بالمسلمين في القصور الأندلسية قد استفادوا كثيرا من علوم العرب وثقافتهم.
وكانت زيجات المسلمين الإفرنجيات يزرن أهلهن كلما سنحت لهن الفرصة. وكنّ يصطحبن معهن عددا من الأتباع من واصفات وجوار وغلمان، ومن الطبيعي أن يكون من بينهم مثقفون. فزوجات المسلمين الأعجميات وأتباعهن كانوا همزة وصل بين أهل الأندلس ومختلف طبقات الإفرنج الذين التقوا بهم في قصور ممالك النصارى في شمال شبه الجزيرة.
كما تزوج الأندلسيون من إفرنجيات من جنوب فرنسا، المنطقة البروفنسية التي ظهر فيها شعر السيدة الغنائي لأول مرة في أوربا في بداية القرن الثاني عشر الميلادي. ومن هؤلاء، الحاكم الأندلسي موسى (ت 113 هـ – 731 م)، الذي تزوج « لامبيجيا » ابنة أود (Eudes) دوق أكيتانيا(2). وكان هذا القائد رئيسا للمسلمين على « البرانس » وحاكما على شمال بلاد الأندلس.
إن وجود المسلمين على امتداد الساحل البروفنسي طوال قرنين من الزمن لم يمر دون مصاهرتهم البروفنسيين، بل إن نسل العرب كان من بين الأجناس البشرية التي تكوّن منها المجتمع البروفنسي قبل ظهور شعراء التروبادور، ويكون قد انصهر في هذا المجتمع بعاداته وثقافته في عهد التروبادور وبعدهم.
كان بلاط الملوك وقصور الأمراء من المراكز الرئيسية التي انطلقت منها علوم العرب وثقافتهم إلى أرجاء كثيرة من أوربا. لقد احتضنت قصور الأمراء بالأندلس فطاحل الشعراء وأبرز المغنيين والمغنيات، وكان أمراء الشمال المسيحيون يقلدون المسلمين في رعايتهم الشعراء والموسيقيين الذين كان بعضهم من العرب والبروفنسيين، مثلما كانت بعض الجواري من المغنيات في قصور المسلمين من أصول أوربية. وكان آلاف الأوربيين يؤتى بهم إلى الأندلس عن طريق الأسر أو أسواق النخاسة. وقد يهرب بعضهم أو يتحرر بعد أن يقضي ردحا طويلا في المجتمع الإسلامي، فمنهم من يعود إلى بلاده لينشر ما تعلمه من المسلمين(3).
ورغم استمرار الحروب بين المسلمين ونصارى الشمال فإن ذلك لم يكن عائقا في وجه الزيارات التي تبادلها الأمراء الأندلسيون والبروفنسيون الذين كانوا يصحبون حاشيتهم المتكونة من شعراء وموسيقيين(4). وربما كانت الموسيقى الأداة التي سهلت للبروفنسيين فهم الشعر وتقليده، وهذا ما يفسر تأثرهم بالألوان الأندلسية الغنائية، ولا سيما الموشحات والأزجال(5). ويبدو أن أمراء بروفنسا الذين اعتادوا على زيارة الأمراء الأسبان أكثر من زيارتهم للأندلسيين، قد تعودوا على الاستماع لهذه الأغاني في قصور نصارى الشمال، لأن قصور هؤلاء كان أغلب أفرادها المتعلمين من العرب(6)، الذين، كان من بينهم الموسيقيون والمنشدون(7).
كان ملوك النصارى يستخدمون في قصورهم، المغنيين العرب من كلا الجنسين. وكانت الكتب الموسيقية العربية قد انتشرت في أوربا بتراجم لاتينية بعد هجرة الطلاب النصارى إلى طليطلة في عهد ألفونسو السادس(8). أما مدرسة المترجمين الطليطليين التي أسسها ألفونسو فكانت من أهم المراكز التي ساهمت في نقل الموسيقى العربية إلى جنوب فرنسا وشمال أسبانيا. وقد انتقلت الأنغام الأندلسية إلى البروفنس رفقة الأغاني العربية التي تقترن بها.
وورد في المصادر التاريخية أن عددا من الأندلسيين من تجار وأهل الفن كانوا يترددون على قصور النصارى في شمال أسبانيا وجنوب فرنسا، ومن ذلك ما رواه ابن بسام في « الذخيرة » عن ابن الكتاني الأديب المتطبب الذي امتهن تجارة الجواري. وكانت الجواري في الأندلس تتعلمن رواية الشعر والغناء والموسيقى(9)، لأن الطبقة الأندلسية الراقية كانت لا تقبل الجواري الأميات. وكان ابن الكتاني هذا تاجر أسواق النخاسة يعلم قيانه الكتابة والقراءة قبل بيعهن في بلاد النصارى(10).
ذهب أحد الباحثين الفرنسيين إلى أن بعض البارون الأوكسيتانيين، ومن بينهم غيوم التاسع (Guillaume ix) (التروبادور الأول)، وهو لا يزال صغيرا آنذاك، كانوا يسمعون في قصورهم قصائد على الطريقة الأندلسية(11). ومعنى ذلك أن قصور الأوكسيتانيين لم تخل هي أيضا من الجواري كاللائي كان يبيعهن ابن الكتاني، أو من الأسيرات المسلمات اللائي كان يتقاسمهن أمراء الإفرنج والمحاربون بعد عودتهم من أسبانيا.
ورغم العداء الذي كان يكنه ملوك النصارى الأسبان للعرب المسلمين، فإنهم لم يرفضوا علومهم وثقافتهم. فبعد استيلائه على طليطلة، دعا الملك ألفونسو السادس الكثير من شيوخ المسلمين واليهود إلى تعليم لغة العرب وفنونها لأبناء النصارى في قصره(12). وكان الشاعر ابن عمار وزير المعتمد بن عباد قد تردد لعدة مرات على قصر الملك ألفونسو السادس في طليطلة(13). وكان ألفونسو هذا، يتكلم العربية ويكتبها، كما كان يناظر الشعراء والعلماء الذين يحلون بقصره، من أندلسيين وبروفنسيين وأسبان وإيطاليين وإنكليز.
أما ألفونسو السابع فقد احتفى حفاوة كبيرة بالفلاسفة المسلمين وبعض علماء الطوائف غير الإسلامية التي نفاها أمراء المسلمين، في ذلك العهد، من بلاد الأندلس. وكان هذا الملك نفسه قد التحق بمعاهد المسلمين الأندلسية. وظلت اللغة العربية منذ عهد الملك ألفونسو السادس، وطوال قرنين من الزمن، لغة البلاد في طليطلة.
ومن خلال ما مر بنا، يمكن القول إن قصور ممالك الشمال في أسبانيا كانت بمنزلة الجسر الذي ربط بين الثقافتين العربية والبروفنسية نظرا إلى اختلاط علماء المسلمين وأدبائهم بالمثقفين البروفنسيين، ورعاية ملوك وأمراء الشمال الإيبيري لهم. وبما أن حضارة العرب المسلمين كانت قد بلغت أوج ازدهارها في ذلك الوقت، فمن الطبيعي أن يكون البروفنسيون والفرنجة وغيرهم من الأوربيين النصارى هم الذين أخذوا الشيء الكثير من العرب المسلمين.
كانت بلاد الأندلس أكثر استقطابا للمهاجرين الأجانب نظرا لما كانت تتميز به من حضارة راقية. هذه الحضارة أبهرت الأوربيين على اختلاف طبقاتهم، فنجد منهم من كان يأتي إلى بلد المسلمين طلبا للرزق ومنهم من كان يأتي طلبا للمعرفة. والذي لا شك فيه، هو أن هؤلاء النصارى المهاجرين قد استفادوا كثيرا من معارف العرب. ومع ذلك، فإن بعض الأحداث بينت أن الأندلسيين هم أيضا هاجروا إلى ممالك الشمال المسيحي وبلاد الإفرنج.
ولما كانت الظروف السياسية والاجتماعية قاسية في جنوب فرنسا بسبب غزوات الإفرنج ومحاولتهم إخضاع أهل البروفنس لسلطة الكارولينجيين، أصبح الشعب البروفنسي في القرن الحادي عشر الميلادي يتطلع إلى الجنوب لتحقيق أحلامه وليس إلى الشمال(14). وكان هذا الجنوب هو شمال بلاد الأندلس، خاصة وأن الكثير من البروفنسيين الذين يرجعون إلى أصول إيبيرية من بشكنس وغسكون، كانوا قد هاجروا إلى بلاد أوك.
لقد هاجر الأوربيون من بروفنسيين وإفرنج أيضا إلى المشرق العربي لمقاصد مختلفة، منها الحج إلى القدس(15) الذي سبق الحروب الصليبية بعدة قرون، وكان أغلبهم من الأعيان والأمراء والمغامرين والتجار. وكان الحجاج النصارى في بلاد الشام، في القرون الوسطى، يستعينون بالعرب في معرفة حضارة الإسلام، وقد لجأوا أيضا إلى السريان الذين كانوا يتقنون اللغة اللاتينية واللغة العربية إلى جانب لغتهم السريانية. والجدير بالذكر، أن الكثير من السريان هاجروا إلى أوربا واندمجوا في المجتمع الأوربي لكونهم مسيحيين. وأكثر الذين قصدوا أوربا، استقروا في بلاطات أمراء الإفرنج، وبعضهم توسطوا بين العلماء والأدباء من العرب والإفرنج(16).
لقد كان للعرب المسلمين مواقع في جنوب فرنسا استقروا فيها على الساحل اللازوردي وداخل البروفنس وبعض نواحي بلاد اللانكدوك، وذلك منذ دخولهم الأراضي الإفرنجية في القرن الثامن الميلادي واستمروا إلى ما بعد القرن العاشر الميلادي. وقد انتشر العرب المسلمون في المناطق الشمالية، ولعل أوجه الشبه العريضة التي نصادفها في كل من الأدب التروفيري والأدب الأندلسي، وعلى وجه الخصوص عناصر الغزل العفيف والمواقف البطولية النبيلة، لدليل على أن شعراء الشمال من التروفير لم يأخذوا عناصر الغزل الفروسي من التروبادور في الجنوب فحسب، بل كذلك اتصلوا مباشرة بالشعراء العرب الذين ألفوا بعضهم في قصور الشمال.
إن وجود العرب في فرنسا بجنوبها وشمالها كان له الفضل في تجسيد ثقافة العرب المسلمين من فكر وأخيلة وعلوم، وبلورتها عند مفكري الإفرنج والكنسيين وشعراء التروبادور والتروفير. ومثلما عرف هؤلاء الأوربيون عن العرب فنون الزراعة والتجارة والحرب، عرفوا عنهم أيضا شيئا من الشعر واللغة والفلسفة.
وفي عصر المرابطين والموحدين ظهر نفوذ الفقهاء في قصور الأمراء المتشددين، فنفوا من الأندلس أكثر المشتغلين بالفلسفة، فرحل الفلاسفة والعلماء والشعراء، كما رحل أيضا المسيحيون واليهود إلى الممالك المجاورة. وقد دخل بعضهم فرنسا لينشروا الثقافة الإسلامية التي رحلوا بها. أما انتشار الثقافة العربية الإسلامية في الشمال الأسباني، فقد زاد في تشجيعها هجرة المستعربة خلال فترة حكم المرابطين والموحدين(17). والمستعربة هم المسيحيون الذين عاشوا في كنف الإسلام مستبقين على دينهم إلا أنهم كانوا يتحدثون العربية ويعرفون فنونها ومصادرها، وقد استعان بهم نصارى الشمال في الترجمة والتفسير.
ظلت الأندلس منذ عهد الأمويين أغنى بلد في أوربا، فكانت مدنها وخاصة قرطبة مركزا اقتصاديا واسع الشهرة يقصده التجار الأوربيون من كل جهة. وكان لموقع الجزر التي يحكمها العرب المسلمون في البحر الأبيض المتوسط، الطريق المباشر في الاتصال بين الشرق والغرب، وبين أوربا وشمال إفريقيا. وفي عصر الفرنجة الكارولينجيين توطدت العلاقات الاقتصادية والمبادلات التجارية بشكل فعّال بين أوربا والعرب المسلمين(18). وقد نتج عن هذه العلاقات انعكاسات فكرية وحضارية على العالم اللاتيني. لأن التجار قاموا بدور الوسيط بين أهل الجنوب وأهل الشمال، وبالإضافة إلى البضائع نقلوا الكثير من الفنون والمعارف.
ونظرا لموقع الأندلس الإستراتيجي الذي يربط بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب، كانت ثروة المشرق تمر عبر هذا البلد وتتوزع على البروفنس واللانكدوك، إذ كانت القوافل تأتي من بلنسية والمرية لتعبر الرون(19). لقد غدت مقاطعات بروفنسا وناربونة، وقتئذ، من أغنى المناطق في جنوب فرنسا، ليس لتبادلها التجاري مع المسلمين والأسبان فقط، بل كذلك لاتصالها الوثيق بالثقافة الإسلامية في الأندلس(20).
وفي العصر العباسي، كانت السفن التجارية الإفرنجية تقلع من ميناء مرسيليا وغيره من موانئ الجنوب وتتجه إلى موانئ سوريا ومصر لتتزود منها بالتوابل والأقمشة والعطور(21). ومعنى ذلك أن المعاملات التجارية بين العرب والإفرنج تعود إلى عهد قديم، وأن تردد هؤلاء الإفرنج على الموانئ العربية قد كوّن لهم فكرة عن حضارة العرب التي كانت مزدهرة وقتئذ. وإذا عدنا إلى أسماء الأقمشة في اللغات الأوربية نجد أكثرها ينسب إلى المدن العربية كدمشق وبغداد والموصل وغيرها.
وكان لاحتكاك الإفرنج بالعرب أثناء المبادلات التجارية أثره البالغ في انتشار اللغة العربية بين التجار الغربيين، إذ أننا نجد عددا من الكلمات العربية في اللغات الأوربية(22). ومما يدل على أن المبادلات التجارية كانت عاملا من عوامل بعث الثقافة العربية الإسلامية إلى أوربا، المصطلحات التجارية التي اقتبسها الأوربيون مثل (calibre) من قالب، و(tare) من طرح، و(chèque) من صك، و(tarif) من تعريفة، وغيرها(23).
ولا ينبغي أن ننسى تجارة الرقيق في القرون الوسطى. إذ كان العبيد مصدر رزق في أوربا الغربية عند كل من النصارى واليهود والمسلمين. إن هؤلاء العبيد الذين اختلطوا بالعنصر العربي والأوربي، قاموا بدور كبير في نشر ما تعلموه في المجتمعات التي يساقون إليها قبل أن يذوبوا فيها. ولما كان أمراء العرب في الأندلس يطلقون سراح العبيد في المناسبات(24)، فإن الغلام بعد أن يقضي ردحا من الزمن بين المسلمين، يعود إلى بلده بكل ما تعلمه عند أسياده قبل عتقه؛ أما الأسرى المسلمون، فكانوا يباعون في أسواق ناربونة ومرسيليا وآرل(25)، وغالبا ما كان هؤلاء الأسرى من الجند أو من السبايا. وبالتأكيد أنهم قد أفادوا المجتمع الذي سيقوا إليه ببعض من معارفهم وثقافتهم العربية الإسلامية.
وخلاصة القول، إن العلاقات الاجتماعية بين لإفرنج والعرب في القرون الوسطى كانت من أهم العوامل التي أدت إلى انتقال خصائص الحضارة العربية الإسلامية إلى أوربا. ولعل أبرز ما تأثر فيه الأوربيون بثقافة العرب هو شعر السيدة الغنائي الذي ظهر في جنوب فرنسا في القرون الوسطى. هذا الشعر الذي يجسد الحب النبيل نظمه التروبادور في تمجيد المرأة والدفاع عن كرامتها، وهو نظم لا يعكس بتاتا العادات والمقومات المجتمع الأوربي في ذلك الوقت. فنشأة هذا الشعر إذن، ترجع إلى عوامل خارجية من بينها العلاقات الاجتماعية.
من أهم هذه العوامل روابط المصاهرة التي كانت قائمة بين العرب والإفرنج في المشرق والأندلس في القرون الوسطى ساهمت إلى حد كبير في انصهار الأجناس والتقارب الثقافي.
أما قصور الملوك والأمراء فكانت من المراكز الرئيسية التي انتشرت منها علوم العرب المسلمين وثقافتهم إلى أرجاء كثيرة من أوربا. لقد احتضنت هذه القصور فطاحل الشعراء وأبرز المفكرين والموسيقيين، وكان أمراء الشمال والإفرنج يرعون أهل العلم والشعراء والموسيقيين الذين كان بعضهم من العرب المسلمين. كما ورد في المصادر التاريخية أن عددا من الأندلسيين من تجار وأهل الفن والأدب كانوا يترددون على قصور النصارى في شمال أسبانيا وجنوب فرنسا.
وقد اتضح لنا أيضا أن هجرة العلماء والفلاسفة الأندلسيين إلى بلاد الإفرنج كانت من بين العوامل الأساسية التي ساعدت الإفرنج في القرون الوسطى على النهوض بثقافتهم وتطوير فلسفتهم وعلومهم. لكنها من جانب آخر ساهمت في تخلف العرب وانحطاطهم، لأن نبذ العقلانية ونفي الفلاسفة المسلمين من بلادهم جعل العرب يلجأون إلى ظاهر الأشياء ويبتعدون عن الاجتهاد.
أما العلاقات التجارية التي كانت بين الملتين فقد أسهمت كذلك في انتقال الثقافة العربية الإسلامية إلى أوربا. لأن التجار قاموا بدور الوسيط بين أهل الجنوب وأهل الشمال، وبالإضافة إلى البضائع نقلوا الكثير من الفنون والمعارف.
وفي الأخير، يمكن القول إن العلاقات الاجتماعية بين العرب والأوربيين في القرون الوسطى كانت من بين العوامل التي أدت إلى انتقال أهم عناصر الحضارة العربية الإسلامية إلى العالم الغربي. وأن الأوربيين الذين احتكوا بالعرب وعكفوا على ترجمة معارفهم من العربية إلى اللغات اللاتينية، نجحوا في استغلال علوم العرب وثقافتهم وهذبوها على طريقتهم، وكأن العرب كانوا يكتبون لغيرهم. فتحضر الغرب يعود بالدرجة الأولى إلى هذه العوامل.

الهوامش:
1 – غوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، بيروت 1979، ص 332. – انظر أيضا، ابن عذاري المراكشي: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق كولان وليفي بروفنسال، الطبعة الأولى، ليدن 1948، ص 30.

2 – S. M. Imamuddine: Some Aspects of Socio – Economic and Cultural History of Muslim Spain, Leiden 1965, p. 186.
3 – Angel Gonzalez Palencia : Historia de la Espana musulmana, 3a ed., Barcelona-Buenos Aires 1932, p. 189.
4 – Robert Briffault : Les Troubadours et le sentiment romanesque, Ed. du Chêne, Paris 1943, p. 51.
5 – S. M. Imamuddine: op. cit., p. 143.
6 – Robert Briffault : op. cit., p. 61.
7 – G. B. Trend: Spain and Portugal, in The Legacy of Islam, Oxford University Press 1965, p. 16.
8 – Ibid., p. 18.

9 – صلاح خالص: أشبيلية في القرن الخامس الهجري، دار الثقافة، بيروت 1965، ص 91.
10 – ابن بسام: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت 1979، ق 3، م 1، ص 320.

11 – René Nelli : L’érotique des Troubadours, Coll. 10/18, U.G.E., Paris 1974, T. 1, p. 77.
12 – S. M. Imamuddine: op. cit., pp. 188 – 189.
13 – Sigrid Hunke : Le soleil d’Allah brille sur l’Occident, Maison des Livres, Alger 1987, p. 20.
14 – A. R. Nykl: Hispano – Arabic Poetry and its Relations with the Old Provençal Troubadours, Baltimore 1946, p. 372.
15 – Cécile Mourisson : Les Croisades, P.U.F., 2e éd., Paris 1973, p. 9.

16 – د. زكي النقاش: العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين العرب والإفرنج خلال الحروب الصليبية، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1946، ص 195 وما بعدها.

17 – G. B. Trend: op. cit., p. 10.

18 – ليفي بروفنسال: حضارة العرب في الأندلس، ترجمة ذوقان قرقوط، دار مكتبة الحياة، بيروت، (د. ت)، ص 78.

19 – Robert Briffault : op. cit., p. 73.
20 – Ignacio Olagüe : Les Arabes n’ont jamais envahi l’Espagne, Paris 1965, p. 343.

21 – جوزيف رينو: الفتوحات الإسلامية في فرنسا وإيطاليا وسويسرا، تعريب د. إسماعيل العربي، دار الحداثة، بيروت 1984، ص 99.
22 – د. زكي النقاش: المصدر السابق، ص 197.
23 – لويس يونغ: العرب وأوربا، تر. ميشيل أزرق، دار الطليعة، بيروت 1979، ص 58.
24 – ينظر في هذا المجال، جوزيف رينو: المصدر السابق، ص 229.
25 – المصدر نفسه، ص 223.

المصدر:
نشر هذا المقال في مجلة « حوليات التراث »، العدد الثالث، سنة 2005، جامعة مستغانم، الجزائر.
د. محمد عباسة