مصادر شعر التروبادور الغنائي

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم (الجزائر)

لقد ظهر الشعر في أوربا منذ عصر قدماء اليونان، لكن الشعراء لم يعرفوا الشعر الغنائي المقفى إلا في بداية القرن الثاني عشر للميلاد في جنوب فرنسا. وكان أول من نظم هذا الشعر الجديد في منطقة بروفنسا (Provence) شعراء التروبادور (Troubadours)، ثم انتشر بسرعة في جميع أنحاء أوروبا.
يُعد ظهور الشعر الغنائي الأوكسيتاني في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي (السادس الهجري) من نتائج التغيير الذي طرأ على منطقة البروفنس في جنوب فرنسا. ويتجلى هذا التغيير أيضا في اللغة التي كتِب بها هذا الشعر وهي اللغة الأوكسيتانية التي استخدمها أهل الجنوب ثورة على اللغة اللاتينية – لغة الكنيسة – من جهة، وتعبيرا عن أدب وطني مستقل من جهة أخرى.
وكان اتصال البروفنسيين بحضارات الشعوب المجاورة من أندلسيين وصقليين، عاملا مباشرا في تحرر أهل الجنوب من قيود الفرنجة الشماليين وتكوين كيان سياسي واقتصادي وثقافي خاص بهم. فكان أول عناصر هذا الكيان شعرهم الغنائي وموضوع الحب الرفيع الذي ابتدعوه لأول مرة في أوربا.
الشعر الأوكسيتاني إذن، هو الشعر الذي نظم بلغة أوك (oc) وهي لغة جنوب فرنسا دون شمالها؛ وتسمى كذلك الأوكسيتانية (l’occitan) تنطق في لغتها الأصلية « أوسيتان »، كما يسمى أهلها بالبروفنسيين نسبة إلى منطقة البروفنس، لكن منطقة وجود هذه اللغة أوسع بكثير من منطقة البروفنس، فهي تكاد تنتشر في الجنوب كله.
بالإضافة إلى تروبادور بلاد أوك الذين نظموا الشعر بلغتهم الأوكسيتانية، نجد شعراء تروبادوريين آخرين ولدوا خارج بلاد أوك أو من جنسيات أخرى نظموا الشعر بهذه اللغة، منهم هنري الثاني ملك إنكلترا، وألفونسو الثاني ملك أراغون، والتروبادور رايمون فيدال الكتالاني، والتروبادور صورديللو الإيطالي؛ وكل هذه الأشعار يطلق عليها اسم الشعر الأوكسيتاني نسبة إلى اللغة التي نُظمت بها لا إلى بلاد أوك، أما الأشعار التي نظمها التروبادور الإسبان والطليان بلغاتهم فلا تدخل ضمن الشعر الأوكسيتاني.
التروبادور هو الشاعر الجوّال الذي ينظم أجمل الأشعار الغنائية؛ اشتقت هذه الكلمة من الفعل « تروبار » (trobar) بمعنى « وَجَدَ »، أي وجد العبارات الجميلة. وأطلق اسم تروبادور على كل من يقرض الشعر، أما الجونغلير (Joglars) فهم الذين اتخذوا من الشعر حرفة لهم(1)، فإذا كان هذا الشعر من إبداع التروبادور، فإن الجونغلير هم الذين يتغنون به في المناسبات. ولم يحفظ الجونغلير أغاني التروبادور فحسب بل كانوا يرددون أيضا الأشعار التي يأتون بها من الأندلس.
استخدم التروبادور الجونغلير لترويج أغانيهم في أوساط طبقات الشعـب البروفنسي. وليس هناك من شك في أن حركة الجوّالين قد استمدت طبيعتها من عادات العرب الذين يتصفون بالترحال والتردد على الأسواق الشعبية التي يعود تاريخها إلى ما قبل العصور الإسلامية، وفيها كانوا ينشدون الأشعار. فكل ذلك يبين أن الجونغلير قد تأثروا في حركتهم بزجّالي الأندلس ومدّاحي أسواقها.
هذا الشعر الذي نظمه شعراء التروبادور في إجلال المرأة وتمجيدها، لا يعكس بتاتا تقاليد المجتمع الأوروبي في ذلك الوقت، بل هو غريب تماما عن الأوروبيين. لكنه يشبه بعمق الشعر الأندلسي، وخاصة الموشحات والأزجال في أشكالها ومضامينها. ولهذا الغرض خصصنا هذا البحث لدراسة أصول الشعر الأوكسيتاني ونشأته في العصور الوسطى.
لقد نشأ في أوائل القرن الثاني عشر للميلاد في بلاد البروفنس، غير بعيد عن مناطق الأندلس، شعر غزلي استخدمه الشعراء في حب المرأة وخدمتها والدفاع عنها. هذا الشعر الجديد الذي اخترعه شعراء جنوب فرنسا (Trobadors) ونظموه باللغة الأوكسيتانية، أغوى خلال العصور الوسطى طوائف أخرى من الشعراء في غرب أوربا الذين نظموا على منواله. فظهر شعراء شمال فرنسا (Trouvères) الذين نظموا شعرهم بلغة الشمال (oïl)، وشعراء إنكلترا (Troubadours)، وشعراء إسبانيا (Trovadors)، وشعراء إيطاليا (Trovatori)، وشعراء ألمانيا (Minnessangers) وغيرهم من الشعراء الجوالين الأوربيين. ولأول مرة أيضا ظهر في منطقة البروفنس نساء شواعر (trobairitz) اللائي نظمن الشعر في الغزل(2).
يعتقد فريق من الباحثين الأوربيين أن الشعر الأوكسيتاني ظهر فجأة في القرن الثاني عشر الميلادي(3)، لذلك لم يتمكنوا من تحديد المصادر المباشرة التي يكون هذا الشعر الأوربي قد تأثر بها في نشأته. ولكن السؤال الذي يطرح لأول وهلة، هو من أي مصدر استقى هذا الشعر التروبادوري خصائصه الجديدة. بعض المقارنين توصلوا إلى أن مصادره أجنبية، في حين آخرون أنكروا عنه أي تأثير. ولتسليط الضوء على المصادر الرئيسية للشعر الأوكسيتاني، من الضروري عرض في بضعة أسطر، الحياة الثقافية في جنوب فرنسا قبل ظهور الأدب البروفنسي.
في أوائل العصور الوسطى، لم تكن قد ظهرت في البروفانس ثقافة خاصة بالشعب البروفنسي بالمعنى الذي نفهمه اليوم، أو على الأقل ثقافة شعبية التي من خلالها يمكن للمجتمع التعبير عن تقاليده وعاداته العريقة. لكن في الواقع، لم نجد سوى الأناجيل وبعض المختارات التي تتمثل في القصائد الكنسية والمراثي الدينية.
ومع ذلك، فقد وُجد أدب شبه طقسي أو تعليمي، ولكن دائما في الإطار الديني في جنوب فرنسا. لكن هذا الأدب ظل مدفونا في الأديرة والكنائس، وفي حوزة رجال الدين وحدهم، الذين كانوا يتصرفون فيه وفقا لمصالحهم. وعلاوة على ذلك، فإن المجتمع المدني البروفنسي كان يجهل هذا الأدب الذي يمثل مواعظ، وعلى الفرد الاستسلام لها.
ظلت القرون الوسطى حتى القرن الثامن للميلاد، من دون مؤسسات ودون لغات خاصة وآداب جديدة(4). وفي نهاية هذا القرن، ظهر شارلمان (Charlemagne)، الشخصية القوية في أوروبا، الذي يعود إليه الفضل في تعزيز الثقافة الحديثة. أمر هذا الملك الكارولنجي (carolingien) العظيم بفتح في كل مكان عبادة، مدارس يتعلم فيها الطلاب الحساب الكنسي والغناء والنحو.
ومع ذلك، فهذا التعليم، مهما كان فضله، ظل محصورا داخل جدران المصليات. أما الوثائق الفرنسية النادرة التي تعود إلى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، فلا تمثل في الحقيقة، سوى أدبا سطحيا حيث تخلو منه أدنى إشارة إلى المرأة أو الحب.
في نهاية القرن الحادي عشر ظهر روبرت دابريسل (Robert d’Arbrissel)، مؤسس رهبانية فونتفرول (Fontevrault)(5)، والذي منح الراهبات إمرة كل رجال الدين. ونظرا لغرابة هذا التصرف، رأى بعض الدارسين البروفنصاليين (Provençalistes) في هذا السلوك، البذرة الأولى في تشكيل الحب المجامل (الكورتوازي) وتبجيل السيدة(6).
أما أغاني المفاخر (chansons de geste) فقد ظهرت في عصر الحملة الصليبية الأولى. هذه الأغاني ذات الطابع الوطني أو الديني، كانت شفاهية تتداول بين الناس، ويعود الفضل في انتشارها إلى الشعراء المتجولين (Jongleurs) الذين نظموها أو تبنوها. من أهمها « أغنية رولان » (la chanson de Roland) وهي ملحمة شعبية تسرد مغامرات شارلمان العسكرية. فالتأثير العربي يتجلى بوضوح في هذه الأغنية ذات الطابع الرسالي(7). لقد نسجها أصحابها على منوال الأراجيز الأندلسية التي سبقتها.
وأما أغاني النسيج (chansons de toile) فقد ظهرت مباشرة بعد « أغنية رولان ». وهي أغان مجهولة المؤلف، ترددها النساء، وغالبا ما تشكو من غياب الحبيب والمعاناة التي تقاسيها. لكن أولى الأغاني التي ظهرت في بلاد « أوك »، هي « البويسي » (Boeci) وأغنية « سانت فوي » (Saint Foy). هذه الأغاني المجهولة المؤلف، والتي أصحابها من ذوي الثقافة الدينية(8)، ظهرت في النصف الثاني من القرن الحادي عشر للميلاد.
وأما الأناشيد الماجنة (Cantica lubrica et luxuriosa)، ذات الطابع الكنسي، فهي أيضا لا تشكل، في أي حال من الأحوال، أغنية الحب. بل أغنية الحب الحقيقية ظهرت في أوائل القرن الثاني عشر للميلاد. ولم يجرؤ الدارسون على إرجاعها إلى العصور القديمة – فأغنية الحب لم تكن موجودة في العصور القديمة – لكنهم بحثوا لها عن مصادر أجنبية.
أول من نظم الشعر الغنائي الغزلي هو التروبادور غيوم التاسع، كونت بواتييه (1071-1127 م)(9) (Guillaume IX, comte de Poitiers). بدأ نشاطه الشعري في السنوات التي تلت عودته من المشرق. لقد ذهب هذا المغامر إلى فلسطين في 1100 م، على رأس حملة صليبية، ولكن تم تكسير جيشه في « هرقلة » (Héraclée) من قبل خصومه الصليبيين. فأقام بضعة أشهر في أنطاكيا قبل عودته خائبا إلى جنوب فرنسا، في سنة 1102 م.
غير أن بعض الباحثين الأوربيين، ومن بينهم البروفنصاليون غاستون باريس (Gaston Paris) وألفريد جانروا (Alfred Jeanroy)، يرجعون أولى قصائد غيوم التاسع إلى نهاية القرن الحادي عشر للميلاد، أي قبل الحملة الصليبية الأولى بقليل. لكن لم يصل إلينا شيء من هذه القصائد.
لم يكن غيوم التاسع ليس أول تروبادور نظم قصائد الحب الفروسي فحسب، بل أيضا أول شاعر أوروبي كتب بلغة محلية(10)، لغة جنوب فرنسا، حاكيا في ذلك الشعراء الزجالين الأندلسيين. الأندلسيون هم أول الشعراء ممن أدخل إلى أوروبا لغة شعرية غير معربة، حتى لا نقول عامية.
إن جرأة غيوم التاسع على نظم أغاني الحب حيرت بعض الدارسين الذين لا يرون في ذلك إلا تناقضا صريحا مع عاداته ومقومات المجتمع البروفنسي(11) التي لا تسمح للرجل أن يتوسل إلى المرأة ويخضع لإرادتها ويخدمها كما يخدم العبد سيده. وأما البعض الآخر فلا يرى أدنى عفة في غزل غيوم التاسع، بل الغزل العفيف أو العذري ظهر في مرحلة من مراحل تطور الشعر عند التروبادر. لكن علينا ألا ننسى بأن قصائد غيوم التاسع الباقية من ديوانه ليست كافية حتى تكون مرآة تعكس عواطفه المختلفة. ونحن نعتقد أن قصائده لم تصل إلينا كاملة، وربما كسدت لأنها لم تعكس الظروف الاجتماعية في ذلك العصر، وهو العصر الذي شهد بداية التحولات السياسية والثقافية في المنطقة.
لقد أكد المؤرخون على أن الكونت غيوم التاسع كان قد نظم قصائد أخرى غير التي وصلت إلينا(12). وأنه بعد عودته من المشرق عام (496 هـ – 1102 م)، بدأ يلقي القصائد أمام الأمراء وكبار الأعيان والمجامع المسيحية، غير أن هذه القصائد لم تدوّن له(13)، لأنها وصفت فضائح الصليبيين. وقد ندم غيوم التاسع على اشتراكه في هذه الحملة(14)، بعدما تأكد من أن ذهابه إلى ما وراء البحار كان فخا نصبه له خصومه للتخلص منه بتواطؤ من الكنيسة.
لم يبقَ من آثار غيوم التاسع إلا إحدى عشرة قصيدة اتفق الباحثون على صحة نسبتها إليه، فالقصائد الثلاث الأولى جاءت موحدة القافية شأنها في ذلك شأن الشعر العربي التقليدي. أما القصائد الأخرى المتبقية فنظمت على طراز الموشحات والأزجال الأندلسية مع بعض التغيير المقصود في ترتيب القوافي، وأما قصيدته الحادية عشرة وهي من الشعر المكفر، فهي من أشهر أغانيه وقد جاءت مطابقة للأزجال الأندلسية من حيث الشكل، وخاصة أزجال ابن قزمان.
كان غيوم التاسع قبل نظمه الشعر قد تربى في أحضان الجواري العربيات اللائي سباهن والده أثناء الحملة الصليبية على قصر بربشتر (Barbastro) الإسلامي شمال الأندلس سنة (456 هـ – 1064 م)، أي سبع سنوات قبل ولادة الشاعر. وقد ذهب ليفي بروفنسال (E. Lévi-Provençal) إلى القول « إن هذه الحملة كانت تضم في صفوفها فرسانا بقيادة أمير نورماندي، من أغلب مقاطعات المملكة، قلما فاجأت المدينة وانتهت من نهبها، عادت عبر جبال البرانس ومعها أعداد هائلة من الأسرى، قد عملوا في المدن التي سيقوا إليها، قبل أن يذوبوا في جمهور السكان، على نشر المعرفة وبعض الفنون والأساليب التي كان يجهلها البروفنسيون »(15). إن هذا الأمير النورماندي الذي قاد هذه الحملة هو غيوم الثامن (Guy Geoffroy) دوق أكيتان (ت 479 هـ – 1086 م) وأبو التروبادور الأول الكونت غيوم التاسع. وحسب روبرت بريفو (Robert Briffault) فإن بعض الأسرى كانوا من المغنيات(16). فكم من مغنية احتفظ بها غيوم الثامن بعد بيعه لأخريات في سوق النخاسة وإهدائه البعض الآخر للكنائس ورجال الإقطاع. ألا يمكن أن يكون هذا مصدرا من المصادر التي استقى منها الكونت غيوم التاسع مبادئ شعره الجديد(17).
وبعد وفاته، ترك غيوم التاسع وراءه ابنه غيوم العاشر وحفيدته ألينور داكيتان (Aliénor d’Aquitaine) التي أدت دوراً رئيسا في انتشار الحركة التروبادورية في كل من فرنسا أثناء زواجها بالملك لويس السابع (Louis VII)، وإنكلترا بعد زواجها سنة 1152 م، بالملك هنري الثاني (Henri II Plantagenêt). ولم يذكر غيوم التاسع في شعره، فيما وصل إلينا، أحدا ممن سبقوه أو عاصروه.
شعر التروبادور الغنائي ظهر في أوائل القرن الثاني عشر للميلاد، لكن لا أحد استطاع تسليط الضوء على مصادره المحتملة. غير أن علاقته بالحضارة العربية الأندلسية تبدو واضحة بلا شك. كان جامارا باربييري (G. Barbieri) في القرن السادس عشر للميلاد، أول من أشار إلى تأثير الأدب الأندلسي في الأدب الأوكسيتاني المجاور. وقد دافع عن هذه الفرضية، في نهاية القرن الثامن عشر للميلاد، اليسوعي الإسباني المنفى خوان أندريس (Juan Andrés)(18).
ومنذ باربييري إلى يومنا هذا، لم يتفق الباحثون بعدْ على المصادر التي استقى منها الشعر الأوكسيتاني أهم خصائصه. بل احتفظ كل منهم بافتراضاته الخاصة التي جانبت في معظمها أبسط قواعد الموضوعية، وذلك لدوافع قومية أو دينية. ومن هذه الاتجاهات المختلفة، نعرض بعض الافتراضات:
الدارسون الرومانيون وعلى رأسهم بدزولا (Bezzola)، يرجعون أصل الشعر الغنائي الأوكسيتاني إلى مصادر لاتينية بحتة، معتمدين في ذلك على قصائد القديس فورتوناتوس (Saint Fortunat)(19). هذا الشاعر الروماني الذي عاش في القرن السادس للميلاد، ذهب إلى غالة (Gaule)، لكنه لم يبق طويلا في بلاط الميروفنجيين (Mérovingiens) الذين كانوا لا يعرفون في ذلك الوقت، القراءة ولا الكتابة. ثم انتقل إلى بلاط أمراء البواتو (Poitou) قبل أن يعود من حيث أتى لما أدرك أن أهل البواتو لا يفهمون اللاتينية.
وبالمقابل، فإن الشعر البروفنسي في القرن الثاني عشر للميلاد يختلف جذريا عن مقطعات « فورتينا » الشعرية، والتي في الواقع، ليست إلا نثرا إكليروسيا. أما بالنسبة اللحب المجامل أو الكورتوازي (l’amour courtois) الذي نظمه الشعراء الجوالون، فأصحاب النظرية اللاتينية قد بالغوا كثيرا عندما راحوا يبحثون له عن أصول « أوفيدية ». وفي الواقع، أن كتاب « فن الحب » (Ars amatoria) لـ »أوفيديوس » (Ovide) (43 ق م – 18 م)، لا يشهد على أي علاقة مع الكورتوازية. بل مجرد نصائح قدمها « أوفيد » لكلا الجنسين بغرض الإغواء والإغراء، لم يراع فيها أدنى احتشام(20). في حين أن تمجيد المرأة الذي جاء به الشعراء الفرسان التروبادوريون في شعرهم لم يعرفه الأوفيديون من قبلهم، وقد اعتبرته الكنيسة التي احتضنت الشاعر فورتينا، ضربا من الكفر.
إن الذين دافعوا عن الطرح اللاتيني يدعمون أفكارهم بمقطوعة يتيمة وجدت في دير القديس مارسيال (Saint Martial) بمدينة ليموج، والتي تعود إلى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس الهجري) وقد نُظمت باللغة اللاتينية(21):

In laudes innocentium
Qui passi sunt martirium
Psallat chorus infantium
Alleluia !
Sic decus regi martirum
Et gloria !

هذه المقطوعة نُظمت على قافية (أ أ أ ، ب أ ب) وهي تشبه إلى حد ما، الأشكال الزجلية التي نظمها غيوم التاسع في خمس من أغانيه المتبقية. بيد أنه لا توجد أية وثيقة تشهد على أن هذه المقطوعة الوحيدة ترجع إلى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي كما يذهب الدارسون الرومانيون. فمن المحتمل جدا أن تكون قد نُظمت بعد هذه المرحلة.
وجود هذه المقطوعة في الكنيسة يعني أنها لم ترَ النور منذ أن نسخت، فكيف يمكننا الاعتراف بأن غيوم التاسع قد تأثر بها في شعره وهو الذي لا يعرف من اللاتينية سوى العداء والكراهية(22)، وقد حرمته الكنيسة من الجنة ولم يذهب إليها للاعتراف بالذنب. ولا يمكن أيضا أن تكون هذه المقطوعة الصغيرة قد أدت إلى إجلال المرأة، واختراع أساليب « التروبار » والأغراض الشعرية التي لم يألفها الشعر الأوربي من قبل.
إن الأثر اللاتيني المفترض في الشعر الأوكسيتاني يكاد لا يظهر لا في الشكل ولا في المضمون، فالعلاقة الوحيدة بين الشعرين هو أن الشعر الأوكسيتاني ينتمي إلى الشعر الأوربي عامة الذي ينتمي إليه أيضا الشعر اللاتيني. لكن الأشكال التي جاء بها الشعراء التروبادور والمضامين الشعرية غريبة عن الشعر الأوربي وعن تراث الأوربيين ومقوماتهم.
من جانبهم، يعتقد البروفنصاليون وعلى رأسهم، غاستون باري وتلميذه ألفريد جانروا أن الشعر البروفنسي ولد في أرض أوك ومات فيها كذلك. ومن هنا بدأت الفرضية البروفنسية التي طالما دافع عنها غاستون باري والذين جاءوا من بعده أمثال ألفريد جانروا وجوزيـف أنغلاد (Joseph Anglade). أما فيما يتعلق بالأثر اللاتيني فإن ألفريد جانروا يرى أن هذا الأثر « لا يقبل الجدل في الأوزان الرومانية، فقد يمكن إدراكها في نتاج التروبادور خاصة عند القدماء منهم، ولا سيّما الذين اتصلوا بالمدارس أو استطاعوا أن يتذكروا بيتا لأوفيديوس أو حكمة لسيناك (Sénèque)، ويضيف جانروا قائلا: ولكن هذه الآثار الثقافية نادرة وسطحية أيضا، وليس هناك أية لاتينية لا في إطار نظمهم ولا في روحه. والتغني بالمرأة وتصوير الحب لا يمتّ بصلة إلى المراثي اللاتينية »(23).
لا يخفي جانروا في هذا الحديث معارضته للأثر الروماني، لكنه لا يستبعد احتمال التأثير الروماني في أوزان التروبادور، خاصة عند قدماء الشعراء الذين يكون البعض منهم قد اتصلوا بالمدارس. غير أن كل الدلائل تبيّن أن التروبادور الذين فجّروا الشعر الغنائي لم يتصلوا قط بالمدارس اللاتينية، بل اخترعوا هذا الشعر لمعارضة هذه المدارس الإكليروسية. ولم يحدث في ذلك الوقت، أن أحدا من غير رجال الدين قد اتصل بها. ثم إن شعر أوفيديوس المجرد من القوافي والذي لم يقم على وزن معين بعيد جدا من أن يقارن بهذا الشعر المحكم الذي جاء به، ولأول مرة في أوربا، قدماء التروبادور. ومع ذلك يعترف جانروا بأن الشعر الذي سبق التروبادور يتمثل في المراثي الإكليروسية ليس غير، وأن الحب الذي جاء به أوفيديوس يختلف كل الاختلاف عن حب التروبادور.
أما جوزيف أنغلاد فهو يحاول في دروسه التي ألقاها على تلامذته، أن يثبت أصالة الشعر التروبادوري بغرض مساندة آراء ألفريد جانروا، غير أنه لم يسلم من بعض الهفوات والوقوع في التناقض، فقد صعب عليه التوفيق بين الحقيقة والعاطفة. فهو يرى أن الحضارة الرومانية قد دخلت غالة عبر الجنوب الذي شيدت فيه مدارس للتعليم العالي منذ القرن الرابع الميلادي(24)، وهو بذلك يريد إظهار علاقة الشعر البروفنسي بالثقافات الإغريقية الرومانية القديمة. لكن المصادر لم تذكر أن مدارس ما قد شيدت في جنوب فرنسا قبل عصر الإمبراطور شارلمان.
ويذهب جوزيف أنغلاد أيضا، إلى أن أغاني الفخر والرعويات (pastourelles) قد وجدت عند أهل البواتو قبل ظهور شعر التروبادور، وأن غيوم التاسع قد نقلها إلى لغة أوك. وبذلك يكون مصدر شعر التروبادور، في تقديره، في أغاني الشمال(25). لكنه – أي أنغلاد – لم يأتِ ولو بنموذج واحد من هذا الشعر الذي يعتقد أنه سبق شعر التروبادور في التطرق إلى الأغراض الشعبية التي وردت في لغة أوك. أما روبرت بريفو، فهو يرى أنه من المحتمل أن يكون الشعر الشعبي قد وجد في تلك المنطقة قبل التروبادور، لكننا لا نعرف منه ولو مقطوعة واحدة قبل عصرهم(26).
يُصِرُّ جوزيف أنغلاد على أن شعر التروبادور قد تطور عن الشعر الشعبي إلا أنه يعترف بأن هذا الشعر يختلف عنه جذريا من حيث الشكل(27). وبذلك يكون قد هدم كل ما بناه سابقا، فهو يقول إن الشعر الأوكسيتاني منذ ظهوره، يختلف تماما في شكله ومحتواه عن الشعر الأوربي الذي سبقه، وأن النماذج الشكلية التي جاء بها لا يعرفها الشعر الكلاسيكي عند الإغريق واللاتين(28).
إن المتتبع لأقوال أنغلاد، يلاحظ تناقضه الكثير في كلامه، وهذا التناقض يرجع إلى أسباب عصبية، فهو يدعم آراء جانروا وباري، ويريد بأية وسيلة، إثبات الأصالة البروفنسية للشعر الغنائي التروبادوري، وحجته في ذلك، أن موت هذا الشعر يعني أنه لم يكن له جذور سابقة، ولم يتأثر بأي شعر من الأشعار الأخرى. ويبدو أن جوزيف أنغلاد لم يفرق بين شعراء التروبادور والشعر الأوكسيتاني، فالذين ماتوا هم التروبادور وليس الشعر الأوكسيتاني، لأن هذا الشعر ما زال متواصلا إلى يومنا هذا.
وعلى غرار الرومانيين، فإن البروفنصاليين غالبا ما يركزون على التأثير المحتمل لروبرت دابريسال (ت 511 هـ – 1117 م) مؤسس رهبانية فونتفرول. فهم يذهبون إلى أن السبب في إجلال المرأة عند التروبادور، يعود إلى فكرة هذا الراهب الذي أخضع زملاءه لقيادة الراهبات. لكن فكرة هذا الراهب لا تمتّ بصلة إلى الحب الكورتوازي البروفنسي. فإن هذه الخطوة التي أقدم عليها هذا المتديّن ليس لها أي اتجاه كورتوازي، وإن ما قام به يرجع إلى سلوك نفسي خال من أي تفكير. وأما الحب البروفنسي، فإنه لم يتجه إلى هؤلاء النسوة اللائي التقطهن هذا الراهب من الشارع، بل قصد الشعراء الفرسان في البداية سيدات القصور والأميرات.
ويرى روني نيللي (René Nelli) أن روبرت دابريسال حين أخضع رهبانه لسلطة نسوية إنما كان يريد من وراء ذلك إذلالهم من أجل حب الله وليس تمجيدا للمرأة(29). ومهما يكن فإن حب الله أيضا لا يمر عبر حب هذا الصنف من النساء، ونحن نشك في أن يكون ما قام به راهب أبريسال لما أخضع رجال الدين لسلطة نسوية، قد غيّر مشاعر البروفنسيين أو استحدث الأشكال الشعرية.
إن الفرضية البروفنسية التي طرحها غاستون باري ودافع عنها ألفريد جانروا لم تلقَ صدى عند الباحثين، لأن جانروا لم يكن مطلعا على الثقافات التي جاورت منطقة البروفنس، واقتصر في بحثه عن أصل الشعر الأوكسيتاني، على المصادر الرومانية، إذ أغفل المصادر العربية(30). وبذلك لا يمكننا تقبل هذه الفرضية ما دام جانروا لم يطلع على ما جادت به قريحة الأندلسيين.
أما دعاة الطرح الأندلسي وعلى رأسهم ريبيرا (Julián Ribera)، فهم ينفون علاقة الشعر العربي بالشعر الأندلسي، ويرون أن الشعر الأندلسي ولد في إسبانيا، ولم يتأثر بالشعر العربي في المشرق إلا في عدد قليل من عناصره. لقد أهمل خوليان ريبيرا كل الشعر الغنائي المشرقي ولم يعتبر إلا الشعر الأندلسي الذي يظن أنه نُظم بلغة مختلطة، نصفها عربي والنصف الآخر رومانسي بمعنى عجمي، وهي حسب رأيه لغة الطبقة الشعبية التي لا تعرف من لغة العرب إلا القليل(31). فإذا تفحصنا هذا الرأي، نرى أن ريبيرا قد تجاهل الأدب العربي، وقد تبيّن أنه في الوقت الذي أطلق فيه أحكامه المسبقة لم يكن بين يديه سوى ديوان ابن قزمان المكتوب بلغة غير معربة والذي درسه على حده.
لكن ألم يكن خوليان ريبيرا يعلم بأن هناك موشحات نُظمت باللغة العربية الفصحى قد ظهرت في الأندلس منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي). وهذه الموشحات لم تكتب بهذه اللغة التي أشار إليها ريبيرا ، وأن الزجل قد تأثر بها في أشكاله كما تأثر بها وبالشعر القريض في أغراضهما. إن ريبيرا لما استبعد اللغة العربية في حديثه عن علاقة الشعر الأندلسي بالشعر البروفنسي، كان يريد من وراء ذلك إظهار التأثير الإسباني وليس فقط فصل المغرب عن المشرق.
ولعل أكثر الفرضيات غرابة هي فكرة تأثير هرطقة الكثارية (Catharisme) أو « نزعة التطهر »، في مبادئ الحـب الكورتوازي. يرى دوني دي روجمون (Denis de Rougemont) في كتابه « الحب والغرب » أن مفاهيم الحب التي طرقها الشعر البروفنسي لا تعكس أبدا العادات الاجتماعية في جنوب فرنسا. وأن هذا الشعر يتناقض تماما مع الظروف التي نشأ فيها(32). ومعنى هذا أن دي روجمون على غرار المقارنين الآخرين، مقتنع تماما، بأن مفهوم الحب الذي ظهر عند التروبادور، جاء من جهة أخرى.
يذهب دي روجمون إلى أن بدعة الكاثارية قد انتشرت في جنوب فرنسا في الوقت الذي ظهر فيه شعر السيدة الغنائي، وفي المقاطعات نفسها. فالمذهب الكثاري كان يمثل في ذلك العهد، بادرة خطيرة بقدر خطورة الحب الكورتوازي تجاه الكنيسة. وابتداء من هذا الاقتراح، يعتقد دي روجمون أن للحركتين نوعا من القرابة. لكنه لا يستبعد الأصول المشرقية للشعر الأوكسيتاني(33).
لكن الأسباب الحقيقية التي أدت بالكنيسة إلى إبادة الكثاريين خلال الحملة الصليبية الألبيجية التي أعلنها البابا إينوشنت الثالث (Innocent III) عام (606 هـ – 1209 م)(34)، ليس مصدرها الرئيسي الهرطقة أو فلسفة الحب، كما أشيع، لأن ثورة الحب ليست أخطر من ثورة العقل على الكنيسة. فالكثاريون ينتمون قبل كل شيء إلى البولصيين، وهم تلامذة القديس بولص الدمشقي بطريق أنطاكيا في القرن الثالث الميلادي الذي دفع بالعقلانية المسيحية إلى أبعد الحدود(35).
وكان القديس أوغستين الجزائري (Saint Augustin) في القرن الخامس الميلادي، قد ألح على عقلنة الدين المسيحي. وقد حاربته الكنيسة في روما واعتبرته من المتمردين على تعاليمها التقليدية. وبفضل فلسفته انتشر أتباعه في أرجاء أوربا وخاصة في جنوب فرنسا(36). وأما القديس برنار (ت 548 هـ – 1153 م)، فكان يرى أن عقلنة علم اللاهوت أمر لا يمكن قبوله(37).
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول بأن محاربة الكنيسة للكاثار إنما كانت بسبب العقل وليس فقط بسبب الحب كما اعتقد الأستاذ دي روجمون، كذلك وقف البولصيون والأوغستينيون في وجه الكنيسة متهمين إياها بالخرافات فحاربتهم متهمة إياهم بالهرطقة والبدع. وفضلا عن هذا الاستنتاج، فإن للفرضية الكثارية تناقضات واضحة، فغيوم التاسع مؤسس شعر التروبادور توفي سنة (521 هـ – 1127 م)، وظهور أول أبريشية كثارية في بلاد الأوك كان في سنة (555 هـ – 1160 م)، فكيف يتأثر غيوم التاسع بهذه الهرطقة وقد مات قبل أن تظهر في جنوب فرنسا. فنحن لا ننفي ما للكثارية من مبادئ لا تتجرد من الحب، لكنها على ما يبدو، كانت تدعو إلى تحرير الإنسان. ربما أراد دي روجمون القول بأن أصول الحب الكورتوازي مشرقية أو عربية، أما التطور فكان كثاريا.
وأخيرا، فإن أنصار فرضية الأصل العربي مقتنعون بتأثير الأدب العربي الأندلسي على الشعر الغنائي الأوكسيتاني. لقد سبق الأندلسيون الشعراء البروفنسيين بأكثر من أربعة قرون، في استخدام الأشكال الشعرية المقطعية، وتمجيد المرأة وإجلالها يعد من تقاليد العرب الأصيلة.
أنصار هذا الطرح من المحدثين كثيرون، من بينهم مستشرقون وعرب. فالموسيقى التروبادورية يقول روبرت بريفو، بالإضافة إلى الآلات التي ترافقها، هي في الواقع من أصل قرطبي وغرناطي. ويخلص إلى القول إن « أوربا مدينة إلى عالم الإسلام في كل شيء، أما روما فلم تنقل إليها من الآداب سوى بعض مختارات أوفيديوس وكاسيودور (Cassiodore) وبويسيس (Boèce) »(38). أما رامون مينندث بيدال (R. M. Pidal) فيرى أن الأشكال العروضية المختلفة لشعر التروبادور إنما استعيرت في الحقيقة، من الأندلس(39). ولم نجد أي شعر أوربي يشبه في أغراضه وأشكاله الشعر البروفنسي الذي نظمه لأول مرة التروبادور بلغة أوك(40).
أما الباحثون العرب الذين يؤكدون على التأثير العربي الأندلسي في الشعر البروفنسي الأوكسيتاني فهم كثيرون، إلا أنهم اكتفوا في غالب الأحيان، بما قدمه المستشرقون(41).
كان غيوم التاسع في بداية الأمر، وفقا لسيرته الذاتية، غشاش نساء (trichador de domnas) قبل أن يصبح فجأة عاشقا عفيفا. ومن الواضح أن اتجاهه الجديد لا يعكس تقاليد المجتمع في القرون الوسطى. لا أوفيد ولا فورتينا لهما صلة ظاهرة بتمجيد « المرأة » البروفنسية. فحب الشعراء الجوالين الأوكسيتاني هو أبعد من حب الرومان.
بحلول نهاية القرن الحادي عشر للميلاد بدأ المجتمع الأوكسيتاني يتجه نحو ثقافة اجتماعية وأدبية جديدة، والتي هي غريبة تماما عن أوروبا المسيحية(42). هذا التحول الجديد هو صدى لحضارة مجاورة، هي الحضارة العربية الأندلسية. فالمدّاحون (Joglars) والخدام (Ménestrels) والحجاج، كانوا من الفاعلين الأساسيين الذين ساهموا في مرور هذا الأدب من الجنوب إلى الشمال، وكان الشعراء الجوالون السباقين إلى احتضانه.
استطاع الشعراء البروفنسيون إدخال إلى مجتمعهم جميع موضوعات الشعر الأندلسي تقريبا(43). طرقوا الغزل البلاطي المجامل والعفيف، أبدعوا في الحب بالوصف أو البعيد، وصفوا أزهار الربيع، مدحوا ورثوا، كما شخصوا مختلف عناصر الطبيعة الحية والجامدة. أما بالنسبة للأشكال الشعرية التي وردت عندهم، فليس هناك أي دليل على أنها وجدت في أوربا قبل عصرهم. هذه الصيغ نقلوها في الواقع، من بلاد الأندلس(44).
من أجل تحويل الأنظار عن شعر السيدة الكورتوازي ذي الأصول العربية، عمدت الكنيسة في ذلك الوقت، إلى تحريض الدوقات والمركيز والقوامس، على الانضمام إلى صفوف الحروب الصليبية ومحاربة المسلمين في أرض فلسطين وبلاد الشام. ومع ذلك، لم يتخل شعراء التروبادور عن شعرهم، بل نظموا قصائد يهجون فيها روما وملوك فرنسا ورعاة الحروب الصليبية(45).
لم يجد الكرسي الرسولي وسائل أخرى لمواجهة عواقب هذه الثورة الأدبية والحركة الكثارية إلا ليعلن، في سنة 1209 م، الحملة الصليبية ضد الألبيجيين (Albigeois) في جنوب فرنسا. هذه الحرب التي استمرت حتى سنة 1229 م، وفرضت محاكم التفتيش، أدت إلى تراجع الشعر الغنائي في بلاد « أوك ».
وبعد الناربوني غيرو ريكيه (ت 692 هـ – 1292 م) (Guiraut Riquier)، آخر تروبادور أوكسيتاني، شهدت بروفنسا في نهاية القرن الثالث عشر للميلاد (السابع الهجري)، انحطاط آداب اللغة الأوكسيتانية. ومنذ ذلك التاريخ، حمل شعراء المائة الثالثة الإيطاليون شرف العبقرية الشعرية في أوربا: مثل كافالكانتي (Cavalcanti)، ودانتي (Dante)، وغينيتشللي (Guinicelli)، وبتراركا (Petrarca)، وغيرهم من شعراء الأسلوب العذب الجديد.
لكن الشعر الأوكسيتاني لم ينتهِ بعد الشاعر غيرو ريكيه، بل ما زال متواصلا إلى يومنا هذا، ولو أنه ليس بالوتيرة نفسها التي كان عليها في عهد التروبادور في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. فظل يسير محتشما إلى غاية بداية القرن السادس عشر الميلادي حيث برز شعراء مجددون وصف عصرهم بعصر النهضة الأوكسيتانية(46).
ولم يكتب بعد التروبادور بلغة أوك سوى أهل اللانكدوك (Languedoc)، بل تقلصت منطقة هذه اللغة، فبعدما كانت تشمل الجنوب كله، أصبحت تقتصر على منطقة ضيقة في الجنوب الغربي من فرنسا. كما تأثرت باللغة الفرنسية في الكثير من خصائصها.

الهوامش:

1 – Frédéric Diez : La poésie des Troubadours, Genève – Marseille 1975, p. 28.

2 – أشهرهن كونتيسة ديا (Beatritz de Dia) وأزاليس دي بوركيراغ (Azalaïs de Porcairagues) والسيدة كاستيلوزا (Na Castelloza). انظر، محمد عباسة: أثر الشعر الأندلسي في شعر التروبادور منذ نشأته حتى القرن الثالث عشر الميلادي، رسالة ماجستير بإشراف الدكتور صلاح خالص، جامعة بغداد 1983، ص 179 – 182.
3 – انظر،

Robert Briffault : Les Troubadours et le sentiment romanesque, Ed. du Chêne, Paris 1943, p. 170.
4 – Pierre le Gentil : La littérature française du Moyen Age, Paris 1968, p. 8.
5 – R.- R. Bezzola : Les origines et la formation de la littérature courtoise en Occident, Ed. Champion, Paris 1944, 2e P., T. 1, p. 30.
6 – René Nelli : l’Erotique des Troubadours, Coll. 10/18, U.G.E., Paris 1974, T. 1, p. 36.
7 – Americo Castro : Réalité de l’Espagne, Paris 1963, p. 282.
8 – Pierre le Gentil : op. cit., p. 17.
9 – Alfred Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, Ed. Champion, 2e édition, Paris 1972, p. xix (introduction).
10 – René Nelli : Troubadours et Trouvères, Ed. Hachette, Paris 1979, p. 19.
11 – A. Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, p. 15.
12 – Ibid., p. x (Introduction).
13 – Jacques Roubaud : Les Troubadours, Paris 1989, pp. 61 – 62.

14 – د. نور الدين حاطوم: تاريخ العصر الوسيط في أوربا، ص 923 وما بعدها.
15 – ليفي بروفنسال: حضارة العرب في الأندلس، ترجمة ذوقان قرقوط، بيروت، ص 95.

16 – R. Briffault : op. cit., p. 44, et note (97), p. 183.

17 – حول عوامل انتقال معالم الحضارة العربية الأندلسية إلى فرنسا، ينظر، محمد عباسة: الشعر المقطعي الأندلسي وأثره في الشعر الأوكسيتاني، أطروحة دكتوراه دولة، الكلية المركزية، جامعة الجزائر العاصمة 1995 – 1996، ص 2 – 40.

18 – Henri-Irénée Marrou : Les Troubadours, Ed. du Seuil, Paris 1971, p. 118.
19 – Réto Roberto Bezzola : op. cit., 1e P., p. 42 ss.
20 – Ovide : l’Art d’aimer, Coll. Poche, Paris 1966, p. 15 ss.
21 – Pierre Bec : Anthologie des Troubadours, Ed. 10/18, Paris 1974, p. 96. – Cf. Pierre le Gentil : La strophe zadjalesque, in Romania, T. LXXXIV., p. 229. – Cf. H.- I. Marrou : Les Troubadours, p. 130.

22 – يشير دوني دي روجمون إلى أن التروبادور لم يكن لهم نصيب أوفر من الثقافة لكي يفهموا الشعر اللاتيني. انظر،

Denis de Rougemont : l’Amour et l’Occident, Ed. 10/18, Paris 1979, p. 80.
23 – Alfred Jeanroy : La poésie lyrique des Troubadours, Ed. Privat – Didier, Toulouse – Paris 1934, T. 1, p. 65.
24 – Joseph Anglade : Les Troubadours, Ed. Armand Colin, Paris 1908, p. 4.
25 – Ibid, p. 8.
26 – R. Briffault : Les Troubadours, p. 35.
27 – J. Anglade : op. cit., p. 10.
28 – Ibid, p. 74.
29 – René Nelli : l’Erotique des Troubadours, T. 1, p. 36.

30 – يعترف جانروا بجهله العربية ولا يعرف من آدابها إلا ما قدمته الترجمات، انظر،

A. Jeanroy : La poésie lyrique des Troubadours, T. 1, p. 74.
31 – Ibid, p. 72.
32 – Denis de Rougemont : op. cit., p. 80.
33 – Ibid., p. 118 ss.

34 – حول محنة الكاتريين في (Albi) ينظر،

Fernand Neil : Albigeois et Cathares, P. U. F., 9 e éd., Paris 1979.
35 – R. Briffault : Les Troubadours, p. 120.

36 – د. نور الدين حاطوم: تاريخ العصر الوسيط في أوربا، ص 51.
37 – ج. ج. كولتون: عالم العصـور الوسطى في النظم والحضارة، ترجمة جوزيف نسيم يوسف، الطبعة الثانية، الإسكندرية 1983، ص 222.

38 – Robert Briffault : op. cit., pp. 20 – 24.
39 – Ramón Menéndez Pidal : Poesía árabe y poesía europea, 5a ed., Espasa – Calpe, S.A., 1963, pag. 17.

40 – حول علاقة الأشكال العروضية الأوكسيتانية بالموشحات والأزجال ينظر أيضا،

Pierre le Gentil : La strophe zadjalesque, p. 16 ss.

41 – انظر، محمد مفيد الشوباشي: رحلة الأدب العربي إلى أوربا، ص 107 وما بعدها.

42 – Erich Köhler : Sociologia della fin’amor, saggi trobadorici, Padova 1976, p. 2 segg.

43 – د. محمد عباسة: الموشحات والأزجال الأندلسية وأثرها في شعر التروبادور، دار أم الكتاب، الطبعة الأولى، مستغانم 2012، انظر فصل « تأثير الشعر الأندلسي في شعر التروبادور »، ص 265 – 338.

44 – Ramón Menéndez Pidal : Poesía árabe y poesía europea, pag. 17.
45 – Robert Briffault : op. cit., p. 134.
46 – André Berry : Anthologie de la poésie occitane, Ed. Stock, Paris 1979, p. xviii. (Préface).

المصدر:
نشر هذا المقال في :
– مجلة « حوليات التراث »، العدد الرابع عشر، سنة 2014، جامعة مستغانم، الجزائر.
د. محمد عباسة