التصوف الإسلامي بين التأثر والتأثير

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم (الجزائر)

بدأ التصوف الإسلامي حركة زهدية ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا سعيا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي (ص) وصحابته في الزهد، ثم تطور وأصبح نظاما له اتجاهات عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة والتجرد عن ضروراتها. إلا أن الزهد في الإسلام لا يعني هجر الدنيا وترك العمل، فالإسلام دين وسط واعتدال « لا يدعو للرهبانية والتطرف »(1).
والتصوف نزوع ذاتي تأملي يعتمد على خيال الفرد وتجربته وذوقه ويهتم على الخصوص بالنفس وصفاتها. ظهر المصطلح عند المسلمين في القرن الثاني للهجرة، أما قبل ذلك فكان الصوفي يسمى زاهدا، لأن التصوف ظهر في مرحلة من مراحل تطور الزهد.
إن الصوفية الذين سلكوا طريق التصوف كانوا ملمين بالعلوم الدينية مما يمكنهم من الرد على انتقادات خصومهم، وحتى لا يتعرض للانحراف « إذا ما تصوف مع جهل »(2). ويرتبط التصوف بالمجاهدات والرياضات النفسية، ويصب جل اهتمامه على الروح. والطريقة الصوفية تنقسم إلى مواقف هي المقامات والأحوال. المقام والحال اصطلاحان يستخدمهما الصوفي للدلالة على مكانته في الطريقة الصوفية وما يأتيه من رحمة الإله.
المقام هو مقام الإنسان فيما يقام فيه من عبادات. وأما الحال فهي ما يتعرض له القلب عفويا من سمات الرحمة الإلهية. والأحوال مواهب ظرفية وإذا دامت تحولت إلى مقامات مكتسبة. « من الأحوال: المراقبة، والقرب، والمحبة، والخوف، والرجاء، والشوق، والأنس، والطمأنينة، والمشاهدة، واليقين… ومن المقامات: التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والرضا، والتوكل »(3).
ارتبط التصوف بالفلسفة، فاهتم الصوفية بعلوم المكاشفة ومعرفة الله، وكان ذو النون المصري (245 هـ – 859 م) أول من أدخل العرفانية في التصوف الإسلامي. وجاء أبو يزيد البسطامي (ت 270 هـ – 875 م) بنظرية الفناء، أي فناء الإنسان عن نفسه لا شعوريا بذاته مع الله. ثم تطورت هذه النظرية إلى الحلول والاتحاد مع الله على يد الحسن بن المنصور الحلاج (ت 309 هـ – 922 م) أي حلول الذات الإلهية في المخلوقات، واتحاد طبيعة الإنسان في الطبيعة الإلهية حتى تصبح حقيقة واحدة.
ومن الصوفية من زعم أنه عرج إلى السماء كما عرج الرسول (ص)، ومن أشهرهم أبو يزيد البسطامي الصوفي المعروف بشطحاته، الذي عرج بواسطة سلم روحي(4). والشطح هو كل ما خرج عن المألوف والقوانين الفقهية، لذا يعتبر هذا السلوك من البدع وهو منبوذ عند الفقهاء.
اختلف الصوفيون المسلمون حول علاقة الإله بالكون، فريق قال بوحدانية الله وأنه خالق الكون. وفريق آخر يرى أن العالم لم يخلق من العدم بل وجد من البداية، والكون هو صفات الذات الإلهية أي مظهر الله الخارجي، وتسمى هذه النظرية بوحدة الوجود. « وبناء على هذا المذهب تتجلى الألهية في البشر، ويعتبر محمد الإنسان الكامل »(5).
وذهب الصوفية من أنصار نظرية وحدة الوجود إلى أن الإنسان يتحد مع الله، وأما الذين قالوا بتوحيد الله وأنه خالق العالم فأنكروا فكرة الاتحاد به، « ولكنهم قالوا بالفيض من الله أو بالقرب منه، وتعرف هذه اللحظة عندهم بلحظة الوصول أو الفناء »(6).
نسج الشاعر الصوفي قصائده على منوال الشعراء العذريين، فردد أشعارهم مستخدما لغة الحب ورموز المحبين بالطريقة نفسها التي يستخدمها شعراء بني عذرة في تغزلهم بمحبوباتهم، بحيث لا نستطيع التمييز بين ما يتغنى فيه الشاعر الغزلي بالحب الإنساني وما يتغنى فيه الشاعر الصوفي بالحب الإلهي. وقد فضلوا مذهب العذريين لأنهم وجدوا فيه الوسيلة المثلى التي من خلالها يمكنهم التعبير عن أشواقهم وأحوالهم، ولأنهم يقدسون الحب أيضا.
ونظرا لجمال بلاد الأندلس وجنانه الفاتنة تأثر الصوفيون الأندلسيون بمناظر الطبيعة وبهاء عناصرها الحية والجامدة، فمجدوها للتعبير عن مشاعرهم الصوفية وأشواقهم للقاء الخالق لما فيها من دلالة على عظمة الله وقدرته. فراح الشعراء الصوفيون يشخصون عناصر الطبيعة ويستلهمون من أصنافها صفات الذات الإلهية على غرار ما ذهب إليه الشعراء الغزليون في حبهم الإنساني.
والحب الصوفي ظاهره طبيعي وباطنه روحاني. فالحب الروحاني يتمثل في الزهد والتجرد من طيبات الحياة سعيا للفناء في الذات الإلهية. والشاعر الذي يعتنق هذا الحب الروحاني الأفلاطوني يهب نفسه كلها لله ولا يرغب في شيء آخر سوى الله، فهو يقوم بهذه المجاهدات ليس حبا في الجنة ولا خوفا من النار. يريد الصوفي لنفسه التي بذلها لله وحده، « أن تموت موتا عذبا محترقة بالشوق الحار إلى الاتحاد به »(7). قالت ربيعة العدوية: « ما عبدته خوفا من ناره، ولا حبا لجنته، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حبا له وشوقا إليه »(8). ويرحب الشاعر الصوفي بما يلاقيه من عناء وسوء حظ لاعتقاده أن هذا كله من الله.
أما الفقهاء والمتكلمون فقد أنكروا على الصوفية استخدامهم بعض الألفاظ والمصطلحات التي جرت على ألسنة الشعراء الغزليين كالغرام والعشق والخمر والكأس والوصل وغيرها، كما حرموا تشبيه الله بـ »ليلى » و »نعم » وغيرهما من محبوبات العذريين، وقد اعتبروا ذلك خروجا عن الشريعة وتمردا على أحكامها. فحب الله عند رجال الدين يتمثل في عبادته وطاعته لا عشقه والهيام به كما يحدث عند الشعراء الغزليين.
غير أن الحب الإلهي عند شعراء الصوفية يعتمد على الرموز والمصطلحات ولا تدرك معانيه إلا بالتأويل. وكان أول شعر ورد فيه ذكر صريح للحب الإلهي قد تضمنته مقطوعة شعرية مشهورة نسبها المؤرخون إلى رابعة العدوية المرأة الصوفية(9):

أحبك حبين، حب الهوى *** وحبا لأنك أهل لذاك
فأما الذي هو حب الهوى *** فشغلي بذكرك عمن سواك
وأما الذي أنت أهل له *** فكشفك للحجب حتى أراك
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي *** ولكن لك الحمد في ذا وذاك

كانت رابعة (ت 185 هـ – 801 م) أمة معتقة، تعزف على الناي، وظلت عازفة عن الزواج، وأمضت حياتها الطويلة متعلقة بالحب الإلهي(10). نشأت هذه الجارية بالبصرة فقيرة محرومة من أبسط ضرورات الحياة فانجرفت إلى عالم المجون واللهو، وبعد استفاقتها اعتزلت الدنيا ومتاعها وعكفت على نفسها تكفر عما اقترفته في حياتها من إثم، فبذلت نفسها كلها لله. رفعت عنصر الحب بمعناه الحسي إلى حب إلهي، فاصطبغ توسلها إلى الله بصبغة الحب والرغبة في الاتصال بالمحبوب الأعلى(11). بلغ صيتها أصقاع العالم الأوربي في العصور الوسطى من خلال كتاب « حياة القديس لويس » الذي ألفه جوانفيل (Joinville)، وعدّوها أكبر قديسة في تاريخ أولياء أهل السنة(12).
وكان أبو العتاهية (ت 212 هـ – 827 م) هو أيضا قد انغمس في بداية حياته في المجون واللهو قبل أن ينقطع للعبادة والتنسك والزهد. إلا أن حبه الفاشل لـ »عتبة » هو الذي دفعه إلى الزهد والتصوف. فكان يستلهم حب الله من حبه لـ »عتبة » فيجد فيه تعويضا لحرمانه. ترك أبو العتاهية شعرا غزيرا في الزهد.
ويرى الحلاج (309 هـ – 922 م) أن الله هو الحب وأن الإنسان صورة لذاته، يعاني من شدة حبه لله وتعلقه به، إلى أن يصل إلى الاتحاد بالإرادة الإلهية. ومن المرجح أن مذهب الحلاج من خلال أفكاره كان حلوليا وقد أنكر عليه جموع علماء الإسلام هذا المسلك. ولفظة الحلول تقابل عقيدة التجسد المسيحية(13).
وكان الحلاج قد ورث هذا المذهب عن أستاذه الجنيد، وقد اتهم من قبل السلطات السياسية والدينية في بغداد بالزندقة والإلحاد بسبب غلوه في أدائه، فأعدم. « ذلك أن تصوره للاتحاد بالله، وكذلك أفكاره عن الرسالة والكرامات التي كان يظهرها، كل هذه الآراء جعلت الأوساط الصوفية والفقهية والسياسية تدينه »(14). أما سبب إعدامه فيرجع إلى أنه قال: « أنا الحق »، وهذا يعد كفرا وزندقة لأن الحق هو الله، فأفتى القاضي بقطع رأسه ونفذ الخليفة هذا الحكم. وقد عارض بعض الصوفية إعدامه معتقدين أن الحلاج قال هذا الكلام وهو في غيبوبة. أما لويس ماسينيون (Louis Massignon) الذي كرس حياته في دراسة الحلاج فقد جعله من أكبر شهداء الرأي، ولم يفرق هذا المستشرق الفرنسي بين الرأي والزندقة.
أما الغزالي (ت 505 هـ – 1111 م) صاحب « إحياء علوم الدين » فقد عمل على جعل التصوف مقبولا لدى السلطة والفقهاء المتشددين في أحكام الشريعة(15). ويرى الغزالي أن معرفة الحقيقة إنما تأتي عن طريق الإيمان والقلب وليس العقل. وهو يعتقد أن استخدام العقل في البحث عن الحقيقة الإلهية راجع للشك وضعف الإيمان، وهو بذلك يحاول تجميد العقل وحصر التفكير مما جعل طبقات العامة – الذين كان يكتب من أجلهم – يحاربون دعاة العقل من فلاسفة ومتصوفة.
ومن أشهر صوفيي بلاد الإسلام محي الدين بن عربي (ت 638 هـ – 1240 م) صاحب نظرية وحدة الوجود. فهو يرى أن العالم وجد قبل أن يخلق تماما كالأفكار التي تولد في ضمير الإنسان قبل تجسيدها. بمعنى آخر، أن الأشياء لم تخلق من العدم. ويرى أيضا أن الطبيعة هي المظهر الخارجي للذات الإلهية. أما الإنسان فهو العالم الصغير الذي تتحد في ذاته جميع صفات الله(16). فوجود المخلوقات عنده عين وجود الخالق لا فرق بينهما من حيث الحقيقة(17). ومن هنا يتجلى بوضوح تأثير الأفلاطونية الحديثة والمسيحية في فلسفة ابن عربي الصوفية، والنظرية الأفلاطونية الحديثة انتقلت إلى الشرق بوساطة النصارى السريان. وقد أثار عليه مذهبه في وحدة الوجود سخط الفقهاء المتشددين كما ثاروا على الحلاج من قبل.
وردت فكرة وحدة الوجود والاتحاد بالذات الإلهية عند ابن عربي في عديد من موشحاته، ومنها هذا الموشح الذي مطلعه(18):

تدرع لاهوتي بناسوتي
وحصل موسى اليم تابوتي
فمن قال عني إنني العبد
وقد صح أني الملك الفرد
قرب عليم غره الجحد
فانظر عزتي فيك وتثبيتي
على عرش تنزيهي عن القوتي

غير أن ابن عربي لم يذهب مذهب الحلاج في نظرية الحلول، فهو يصرح بأن الحلول ليس شبيها بوصول الجسم بالجسم، أو العرض بالعرض، أو العلم بالمعلوم، أو الفعل بالمفعول. بل الوصول أو الاتحاد متخيلا أكثر من حقيقيا، فالصوفي يشاهد محبوبه بالقرب منه على نحو واضح كأنه يشاهده حقا بعينيه، ويشعر بلذة الوصول بتجربة ألطف وأعذب من الوصال الجسماني(19). أما وحدة الوجود عنده فليست هي الوحدة المطلقة التي وردت عند بعض الفلاسفة، وكل ما قيل عن محي الدين بن عربي من تكفير وتجريم هو مجرد اتهام افتراه ممن لا يطيقون سماع كلمة حب أو عشق في مذهب الصوفية والفلاسفة.
وكان متصوفة الإسلام قد تبنوا النظرية الأفلاطونية المحدثة ومذهب التطهير في المسيحية ومذهب القديس أوغسطين الجزائري في اللطف الإلهي. والتطهير عند ابن عربي ثلاث مراتب: تزكية النفس، وتصفية القلب، وتجلية الروح. « وللوصول إلى المرتبة الأولى لا بد من التوبة وقهر الأهواء، وللوصول إلى المرتبة الثانية لا بد من الخلوة والذكر، وللوصول إلى الثالثة يكفي الإيمان الصوفي الذي يفتح أبواب الروح للإلهامات العلوية »(20).
ولابن عربي في وحدة الأديان مذهب لا يختلف كثيرا عن مذهب الحلاج، وذهب إلى أن العبادة هي أن ينظر العبد إلى جميع الصور على أنها حقيقة الإله. غير أن وحدة الأديان عنده لها تأويلات ورموز ولا تعني خروجه على الشريعة. فهو يرى أن الصوفي يجد الله في كل الأديان(21):

ألا يا حمامات الأراكة والبان *** ترفقن لا تضعفن بالشجو أشجاني
لقد صار فلبي قابلا كل صورة *** فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف *** وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنىّ توجهتْ *** ركائبه فالحب ديني وإيماني

لكن محي الدين بن عربي لم يقصد كل الأديان، فمن خلال هذه الأبيات يتجلى بوضوح أن الأديان التي يعتبرها كلها وسائط لحب الذات الإلهية هي أديان أهل الكتاب، وهي اليهودية، والمسيحية، بالإضافة إلى الإسلام. ذلك أن هذه الأديان الثلاثة في نظر ابن عربي، خلاصتها دين واحد، تطور عبر العصور إلى أن استقر في الإسلام. ولهذا فإن المسيحي أو اليهودي الذي يعتنق الإسلام لا يغير حقا من دينه(22).
صنف ابن عربي كتبا كثيرة ما بين منظوم ومنثور، من أهمها « الفتوحات المكية »، و »فصوص الحكم »، الذي مزج فيه التصوف بالفلسفة، و »ترجمان الأشواق »، وهو ديوان شعر جسد فيه معاني الحب الإلهي، ولجأ في الكثير من مصنفاته إلى الرمز تجنبا لانتقادات الفقهاء ممن يستثقلون تأويل كلامه. مع ذلك اتهمه أهل الظاهر بالكفر والإلحاد، « فكان من أشدهم ابن تيمية وابن حجر العسقلاني وإبراهيم البقاعي »(23) الذي صنف في ذلك كتبا من بينها كتاب « تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي ». غير أن الكثير من أهل العلم والتنوير قد أنصفوه وتأولوا كلامه تأويلا مقبولا.
عمل ابن عربي على نشر الموشحات الصوفية في بلاد المشرق، بحيث تعرف المشارقة على الموشحات الأندلسية من خلال « الديوان الأكبر » الذي نظمه ابن عربي في الشام. أما ديوانه الأول وهو « ترجمان الأشواق » فقد وضعه في رحاب مكة المكرمة، التي أقام فيها وتعلق بحب « نظام » الفتاة الحسناء التي فتنته، وهي ابنة أبي شجاع الأصفهاني إمام الحرم المكي.
وكان ابن عربي أول من نظم الموشحات الصوفية في الأندلس وأدخل عليها الرموز والمعاني الدينية. وحبه لـ »نظام » الملقبة بـ »عين الشمس » – وكانت متصوفة هي أيضا – قد زاد من لوعة الشاعر، مما أضفى على موشحاته نوعا من العذوبة والرقة. وقد عارض ابن عربي في موشحاته الصوفية بعض الوشّاحين الغزليين المشهورين في الأندلس أمثال ابن زهر وابن بقي وغيرهما.
أما ابن سبعين (ت 669 هـ – 1270 م) فهو من كبار متصوفة الأندلس(24). وقد تعددت آراء الناس فيه فوقره البعض وكفره البعض الآخر(25). وتجول في الأماكن نفسها التي مر بها ابن عربي من قبله، ومنهجه في التصوف لا يختلف عن منهج صاحب « الفتوحات ». ولابن سبعين تسميات مخصوصات في كتبه وهي نوع من الرموز(26).
وقد انتشر صيت ابن سبعين في أوربا في عصره، فذكره البابا وتحدث عنه حيث قال: « إنه ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه(27). ولما أراد فردريك الثاني صاحب صقلية استيضاح بعض المسائل الفلسفية، انتـُدب ابن سبعين للرد عليها. جاء في الإحاطة: « ولما وردت على سبتة المسائل الصقلية، وكانت جملة من المسائل الحكمية، وجهها علماء الروم تبكيتاً للمسلمين، انتدب إلى الجواب عنها، على فتى من سنه، وبديهة من فكرته »(28).
وبفضل مدارس الترجمة والتقاء علماء النصارى بالمسلمين بالأندلس وتجوالهم ببلاد المغرب انتقلت عناصر الصوفية الإسلامية باختلاف مذاهبها إلى الغرب المسيحي في القرون الوسطى وتأثر بها عدد من المَدرَسيين واللاهوتيين والقساوسة في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا؛ ومن أبرزهم رايموندو مارتين ورامون لول وألفونسو العاشر الملقب بالعالم وكاهن هيتا ودانتي أليغييري وغيرهم.
كان رامون لول (Ramon Lull) (1232 م – 1316 م) في القرون الوسطى أحد الفلاسفة والصوفيين المسيحيين الكبار في أوربا. نظم الشعر على طريقة شعراء التروبادور البروفنسيين الذين اشتهروا بالحب الكورتوازي المستلهم من الحب العذري. وقد ألف كتبا ورسائل للدفاع عن النصرانية بالبراهين والحجج، كما استخدم في طريقته العناصر الإسلامية والأساليب العربية لمجادلة المسلمين.
كان رامون لول (رايموندو لوليو) يعشق الله والمسيح، وأمضى حياته متنقلا بين البلدان مثلما فعل ابن عربي وابن سبعين من قبله وغيرهما ممن أحبوا الله وتنقلوا بين المغرب والمشرق. تعلم اللغة العربية على يد عبد مسلم مدة تسع سنوات، فأجادها حتى أنه ألف بها بعض كتبه، منها كتاب « التأليف والتوحيد » وكتاب « التأمل في الله » وكتاب « الكافر والعارفون الثلاثة »، ثم ترجمها إلى الكتالانية، بحيث كان لا يعلم من اللاتينية شيئا. استخدم رامون لول في فلسفته الأسلوب الغامض، وجاء بمنهج جديد لم تألفه الفلسفة الأوربية، وحرص على ألا يذكر مصادر مذهبه.
رغم إعجابه بالمسلمين واحترامه لهم إلا أنه لم يستطع فهم عقيدة الإسلام فعمل طيلة حياته على التبشير في الأندلس والمغرب محاولة منه تمسيح المسلمين. كان يعلم صغار الرهبان اللغة العربية ومعارف المسلمين ومناهجهم، لكي يستطيعوا تحويل المسلمين عن دينهم بالحجة المقنعة(29).
كان رامون لول من المسيحيين القلة الذين عرفوا الدين الإسلامي، ورغم عدم إيمانه بهذا الدين إلا أنه حاول أن يظهر التقارب بين الأديان ودعا إلى التحاور مع الآخر، ولعل كتابه « الكافر والعارفون الثلاثة » لأبرز دليل على ذلك. في كتاب « الكافر » يحاور رجل لا يعرف الله، ثلاثة علماء مسيحيا ويهوديا ومسلما، يستمع لآرائهم وحججهم في إيمانهم، ليخلص في الأخير إلى أن هناك حقائق مشتركة بين هذه الأديان وكلها تصب في وتوحيد الله. غير أن ابن عربي قد سبقه إلى وحدة الأديان.
ويقول رامون لول في ختام كتاب « الكافر » على لسان أحد الحكماء الثلاثة دون ذكر عقيدته: يجب علينا أن نفترق على التسامح وعلى كل واحد منا أن يستفيد من نقاشنا هذا. هل يعجبكم أن نتقابل مرة كل يوم في هذه الغابة ونتناقش بمنهج العقل حتى نتوصل إلى إيمان واحد، فليس لنا سوى إله واحد. لا ينبغي أن يفرقنا اختلافنا في الإيمان، أو نحارب بعضنا بعضا ونتقاتل لأن هذه الحرب تمنع الناس من الاتفاق على عبادة واحدة(30).
من خلال طرحه لتعاليم العقيدة الإسلامية على لسان العارف المسلم في كتاب « الكافر والعارفون الثلاثة »، يظهر أن رامون لول كان واسع الاطلاع على مبادئ الإسلام وعادات المسلمين(31). وقد ألف لول – الذي كان يعلم الكثير عن الشعر الأوكسيتاني – هذا الكتاب لمعارضة قصيدة المناظرة الحوارية أو « لعبة الاقتراح » (Partimen) الغزلية التي اشتهر بها شعراء التروبادور في القرون الوسطى؛ فأسلوب الحوار وطبيعة الموضوع الذي يبنى على النقيض ونهاية الكتاب التي تركت دون إجابة، كل ذلك جاء على منوال القصيدة البروفنسية.
درس لول الفلسفة الإسلامية واطلع على آثار ابن سينا والفارابي بالعربية، كما درس « تهافت الفلاسفة » للإمام الغزالي، وترجم رسالته الشهيرة « مقاصد الفلاسفة » نظما باللغة الكتالانية(32). وقد تأثر رامون لول بالغزالي في نبذ الفلسفة العقلانية، وهو أيضا لا يرى للعقل دورا في حب الله ومعرفة الحقيقة إلا الإيمان. كما انتقد الفلاسفة الذين قالوا بأزلية الكون وقدمه.
وفي كتاب « الحبيب والمحبوب »، وهو الفصل الأخير من كتابه « بلانكرنا »، يتحدث رامون عن التصوف الإسلامي والمتصوفة، كما أن عنوان الكتاب نفسه جاء على الطريقة الصوفية عند المسلمين. يحتوي الكتاب على شطحات وحكايات لها نظائر في كتب التصوف الإسلامي. وقد استخدم فيه ألفاظا ومصطلحات سبقه إليها محي الدين بن عربي، على الرغم من أن الرجلين يختلفان في بعض المبادئ كوحدة الوجود وقدم العالم. إلا أن لول لم يوضح تماما موقفه من وحدة الوجود، فجاء أسلوبه غامضا حول هذه المسألة نظرا لتأثره بمنهج الغزالي وإعجابه بمذهب ابن عربي.
يرى لول أن العشق الإلهي لا ينبغي أن يلهمه خوف من عذاب جهنم ولا رجاء لنعم الجنة، بل يلهمه ذكر كمال الله(33). وإذا عدنا إلى رابعة العدوية نجدها قد قالت هذا الكلام نفسه منذ أربعة قرون قبل رامون لول. وفي كتاب « التأمل في الله » يشير لول إلى أنه استخدم أسلوب الدعاء الذهني والمناجاة على الطريقة الإسلامية(34). كما استخدم عناصر الشعر الكورتوازي في رسائله الصوفية، تماما كما فعل الصوفيون العرب الذين استخدموا عناصر الحب العذري في نظمهم الصوفي.
قال لول بفصل الرجال عن النساء في الكنائس(35) مستحسنا طريقة المسلمين في المساجد؛ ودعا المسيحيين أن يضعوا اسم المسيح على رأس رسائلهم، كما يضع المسلمون البسملة والصلاة على النبي(36). وفي مقدمة كتابه « أسماء الله المائة » يعبر بوضوح عن رغبته في أن تمارس الكنائس يوميا إنشاد أسماء الله المائة، على نحو ما يقرأ المسلمون القرآن جماعة في المساجد. وأسماء الله من بين الأوراد التي يرددها المسلمون(37). لقد تأثر لول في أسماء الله الحسنى بابن عربي الذي تحدث عنها بإسهاب في ختام كتابه « الفتوحات المكية ».
يقول لول في كتاب « الحبيب والمحبوب » إنه وجد الناس في جانب من بلاد البربر يحكون هناك أن الأتقياء يرتلون الأناشيد عن الله والحب، ويسيحون ببر الدنيا، يعانون المسكنة وأعمالا أخرى كثيرة، وأن هؤلاء الصوفية أو المرابطين تعودوا أن يرسلوا بعض الأمثال والحكم القصيرة التي يتطلبها أسلوبهم، ويضيف لول إنه ألف كتابه طبقا لهذا المنهج(38). ولم يبق شك في تأثره بالمسلمين بعد أن صرح بنفسه أنه ألف كتابه على منوال كتب الصوفية المسلمين.
لقد عرف رامون لول في عصره عددا من المتصوفة المسلمين الأندلسيين والمغاربة كابن سبعين وابن هود المتقشف وأبي الحسن الششتري صاحب الموشحات والأزجال الصوفية وأبي مدين شعيب والعفيف التلمساني وغيرهم كما سمع برابعة العدوية وقرأ للإمام الغزالي وغيره، غير أنه أعجب كثيرا بمحي الدين بن عربي فتأثر بمذهبه.
كما تأثر دانتي أليغييري (1265 م – 1321 م) أيضا في « الكوميديا الإلهية » و »الحياة الجديدة » بابن عربي ورسالة « الإسراء والمعراج ». فالصور التي رسمها دانتي لتمثيل الجنة والنار والمطهر تتفق وما رسمه ابن عربي في كتاب « الفتوحات المكية » وأن كثيرا من الأوصاف والتعريفات التي جاءت في « الكوميديا » اقتبسها دانتي من رسالة « المعراج ». لقد ثبت أن إحدى صور المعراج النبوي قد ترجمت من العربية إلى القشتالية والفرنسية واللاتينية بأمر من الملك ألفونسو العاشر سنة 1260 م. ويبدو « أن هذه العناصر قد نقلها برونيتو لاتيني أستاذ دانتي، وكان على علم تام بالثقافة العربية »(39). لقد ذكر عبد الرحمن بدوي في كتابه(40) مشابهات عديدة في التفاصيل بين كتاب « المعراج » الذي يشرح عروج الرسول محمد (ص) وبين « الكوميديا الإلهية » للشاعر الإيطالي الكبير دانتي أليغييري.
ولم يختلف دانتي عن رامون لول في عدائه للإسلام والرسول الكريم وذلك ظاهر من خلال الأبيات التي وردت في « الكوميديا » حول الرسول (ص) وعلي (ر)(41). وكلاهما سلك طريق الغموض في مذهبه، وهو الطريق نفسه الذي يتمثل في الأسلوب الغامض (trobar clus) عند التروبادور والرمز عند العذريين والمتصوفة. أما « بياتريتشي » التي تزوجت غيره، فقد تأثر دانتي في حبه لها بحب التروبادور البروفنسيين الذين تأثروا بالعذريين من خلال الأدب العربي في الأندلس. كما تأثر دانتي أيضا في حبه الغامض بغزليات ابن عربي الصوفية في « نظام » الأصفهانية التي فتنته عندما كان مقيما بمكة المكرمة وقد استخدم الرمز الصوفي في ديوانه « ترجمان الأشواق ».
وفي الأخير ينبغي أن نشير إلى أن التصوف نشأ في كنف الإسلام ولم يكن وليدا لمصادر أجنبية كما يزعم بعض المستشرقين، أما التأثر ببعض التيارات الخارجية فقد ظهر في مرحلة من مراحل تطور التصوف الإسلامي. وذهب ابن خلدون في « المقدمة » إلى أن ظهور الصوفية راجع إلى أنه قد تفشى اللهو والانغماس في ملذات الدنيا في القرن الثاني الهجري وانقطع كثير من الناس عن أمور الدين، فعكف الأتقياء على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة(42)، وهذا دليل آخر على أن التصوف الإسلامي نشأ على كتاب الله وسنة رسوله.
والتأثر ليس عاملا سلبيا وإنما يتحقق بفضل المطالعة والمثاقفة والتفتح على الآخر. وليس من علم أو فن لا يتطور إلا بالاحتكاك والتأثر. أما الذين انحرفوا عن أصالة التصوف الإسلامي وجرفتهم تيارات غريبة عن عقيدة الإسلام، فهم قلة وقد انتقدهم العلماء والفقهاء.
والعرفان الصوفي مجاهدة وذوق لا يشترك فيه كافة الناس، لذلك لجأ الصوفي في نظمه ونثره إلى الرمز وترك التأويل للعارفين، حتى يخفي عن العامة ما لا يفهمون. والصوفية إذا ما أخطأوا فلم يكن في نيتهم الإساءة للدين الإسلامي الحنيف، فكل العارفين يصيبون يخطئون، أما أن يتهموا بالكفر والجهل بسبب حبهم المفرط لله، فهذا هو الجهل نفسه.
وكما رأينا، فالتصوف الإسلامي باختلاف مذاهبه أثر تأثيرا فعالا في اللاهوتيين والسكولاستيكيين المسيحيين في القرون الوسطى، وقد استفاد من مبادئه الصوفيون الغربيون في تهذيب عقائدهم وإصلاح مجتمعاتهم، وألفوا كتبا ورسائل لنشر أفكارهم.

الهوامش:
1 – أسعد السحمراني: التصوف منشؤه ومصطلحاته، دار النفائس، بيروت 1987، ص 180.
2 – المصدر نفسه، ص 62.
3 – المصدر نفسه، ص 115 – 116.
4 – عدنان حسين العوادي: الشعر الصوفي، دار الرشيد للنشر، بغداد 1979، ص 28.
5 – م. م. شريف: دراسات في الحضارة الإسلامية، ترجمة أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، ط. 2، القاهرة 1966، ج 1، ص 104.
6 – المصدر نفسه، ص 109.
7 – أسين بلاسيوس: ابن عربي حياته ومذهبه، ترجمة عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات – دار القلم، الكويت – بيروت 1979، ص 246.
8 – أبو طالب المكي: فوت القلوب، المطبعة المصرية، القاهرة 1932، ج 3، ص 84.
9 – المصدر نفسه.
10 – جورج شحاتة قنواتي: الفلسفة وعلم الكلام والتصوف، مستلة من كتاب تراث لإسلام، تصنيف جوزيف شاخت وكليفورد بوزورث، ترجمة حسين مؤنس وآخرين، عالم المعرفة، ط. 3، الكويت 1998، ج 2، ص 68.
11 – عدنان حسين العوادي: الشعر الصوفي، ص 123.
12 – جورج شحاتة قنواتي: المصدر السابق، ص 68.
13 – رينولد ألن نيكلسون: التصوف، مستلة من كتاب تراث الإسلام، تأليف سير توماس أرنولد وآخرين، تعريب جرجيس فتح الله، دار الطليعة، ط. 3، بيروت 1978، ص 316.
14 – جورج شحاتة قنواتي: المصدر السابق، ص 70.
15 – المصدر نفسه، ص 72.
16 – رينولد ألن نيكلسون: المصدر السابق، ص 328. انظر، رسائل محي الدين بن عربي، دار الكتب العلمية، بيروت 2001، ص 118.
17 – لطفي عبد البديع: الإسلام في إسبانيا، مكتبة النهضة المصرية، ط. 2، القاهرة 1969، ص 62.
18 – ابن عربي: الديوان، دار الكتب العلمية، بيروت 1996، ص 363.
19 – أسين بلاسيوس: ابن عربي حياته ومذهبه، ص 252.
20 – المصدر نفسه، ص 148.
21 – محي الدين بن عربي: ترجمان الأشواق، دار صادر، بيروت 1961، ص 43.
22 – أسين بلاسيوس: المصدر السابق، ص 267.
23 – لطفي عبد البديع: المصدر السابق، ص 62.
24 – ينظر محمد ياسر شريف: الوحدة المطلقة عند ابن سبعين، دار الرشيد للنشر، بغداد 1981، ص 93.
25 – لسان الدين بن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، القاهرة 1973، ج 1، ص 34.
26 – أبو العباس أحمد الغبريني: عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية، تحقيق رابح بونار، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1981، ص 209.
27 – لسان الدين بن الخطيب: المصدر السابق، ج 1، ص 34. انظر أيضا، المقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت 1995، 2/411.
28 – لسان الدين بن الخطيب: المصدر السابق، ج 1، ص 34. وانظر، المقري: المصدر السابق، 2/414.
29 – خوليان ريبيرا: الأصول العربية لفلسفة رايموندو لوليو، مستلة من كتاب دراسات أندلسية للطاهر أحمد مكي، دار المعارف، القاهرة 1980، ص 168.
30 – انظر،

Raymond Lulle : Le livre du gentil et des trois sages, traduit par Dominique de Courcelles, Editions de l’Eclat, Paris 1992, p. 237.

31 – انظر،

Raymond Lulle : op. cit, p. 185.

32 – برند فايشر: الشرق في مرآة الغرب، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1983، ص 39.
33 – المصدر نفسه، ص 47.
34 – المصدر نفسه، ص 40.
35 – أنخل جنثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1955، ص 543.
36 – خوليان ريبيرا: المصدر السابق، ص 170.
37 – المصدر نفسه، ص 171.
38 – المصدر نفسه، ص 189.
39 – لطفي عبد البديع: الإسلام في إسبانيا، ص 158.
40 – عبد الرحمن بدوي: دور العرب في تكوين الفكر الأوربي، وكالة المطبوعات ودار القلم، ط. 3، الكويت – بيروت 1979، ص 49 وما بعدها.
41 – انظر،

Dante Alighieri : La divine comédie, traduit par Henri Longnon, Editions Bordas, Paris 1989, p. 138.

42 – ابن خلدون: المقدمة، ط. 7، بيروت 1989، ص 467.

المصدر:
نشر هذا المقال في المجلات التالية:
– مجلة « حوليات التراث »، العدد العاشر، سنة 2010، جامعة مستغانم، الجزائر.
– مجلة « التراث العربي »، العدد 102، سنة 2006، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا.
د. محمد عباسة

Publicités