مدخل إلى الأدب المقارن

* – مدخل:
1 – تمهيد:
– نقدم بين يدي الطالب نبذة موجزة عن الأدب المقارن تتمثل في نقاط مركزة وخطوط عريضة حول الدرس، وعلى الطالب اللجوء إلى المصادر لاستكمال معلوماته. قائمة المصادر والمراجع متوفرة ومحتواها متاح للتحميل. تجدون الرابط على قائمة الدروس.
– يحتوي البرنامج على مواد يتعلم من خلالها الطالب أبجديات الأدب المقارن، منها تعريف الأدب المقارن، النشأة، مناهج الأدب المقارن، الأجناس الأدبية، النماذج الأدبية، تاريخ الأدب، الصورة الأدبية، عوامل التأثير، عومل عالمية الأدب وغيرها. غير أن هذه المواد تدرس أيضا في السداسيين الثاني والثالث وبصورة أعمق.
– على الطالب الاهتمام بالأدب المقارن، فهو يمكنه من الاطلاع على آداب الأمم الأخرى ويحفزه على تعلم اللغات والترجمة.
– في المدخل يتعرف الطالب على مصطلح الأدب المقارن في مختلف اللغات، والمدلول التاريخي لهذا العلم، والمؤثرات الأدبية وأنواعها.
– السرقات الأدبية لا تعني التأثر، كما أن التأثر الحرفي هو بمثابة تقليد أعمى لا يفيد اللغة الوطنية ولا يستفيد منه الأدب الوطني كما يضر بالأصالة والتقاليد.
– التشابه يعني أحد الأدبين تأثر بالآخر، أو كلاهما تأثر بأدب ثالث، لذا على الدارس البحث عن الصلات التاريخية بينهما، وأحيانا قد لا يتوصل الباحث إلى أي صلة لبعد الفترة بينهما. فيعد مثل هذا التشابه مجرد صدفة أو توارد خواطر حسب البعض والبعض الآخر لا يبدي أي اهتمام بالصلات التاريخية أصلا.
– بين المقارنة والموازنة والمقابلة: فالموازنة تعنى بدراسة آداب الأمة الواحدة، وأما المقابلة فهي تخص المقابلة بين اللغات واللهجات، وخلافا لذلك، فالمقارنة تهتم بدراسة آداب الأمم المختلفة باختلاف لغاتها. فالموازنة إذن، تعد من النقد الأدبي لا من الأدب المقارن.
– ومن جهة أخرى فإن الأدب المقارن شيء وعلم اللغة المقارن شيء آخر، فالمذكرات التي تتحدث عن تأثير لغة في لغة، لا تعد من الأدب المقارن، بل هي تندرج ضمن علم اللغة المقارن أو اللسانيات المقارنة حسب طبيعة الموضوع. أما تأثير لغة في أدب أو تأثير أدب في لغة فقد يندرج هذا الموضوع ضمن الدراسات الأدبية وكذلك الدراسات اللغوية.
– التأثر يعني المطالعة والمثاقفة، ومن لم يتأثر فهو لا يقرأ الكتب ولا يفيد الأدب الوطني في شيء ولا يشتهر بين الناس في وطنه وخارج وطنه.
– الأدب المقارن يعرض الحقائق ويشرحها تاريخيا، كيف نشأ الأدب، وكيف انتقل من بيئة إلى أخرى، ما هي المراحل التي مر بها، وما مدى اكتسابه لخصائص جديدة واحتفاظه مع ذلك بخصائصه التي كانت له في منشأه الأول.
– الأدب المقارن والتاريخ: اعتمدت مدرسة الأدب المقارن عند تأسيسها في فرنسا على التاريخ، لذا فهي تتبنى المنهج التاريخي في مقارنتها بين الآداب. والتاريخ عنصر مهم في هذا الحقل المعرفي، فهو يبين أصالة الأدب وتطوره عبر العصور، غير أنه لا ينبغي الاستغراق في عنصر التاريخ على حساب جماليات الأدب، لذا فبعض المدارس تستهجن اعتماد المدرسة الفرنسية على المنهج التاريخي.
– اللغات الأجنبية: على الباحث الاهتمام باللغات الأجنبية فهي تعد عنصرا مهما في الدراسات المقارنة، لأن الباحث ينبغي عليه قراءة النصوص بلغتها الأصلية ويستعين بالترجمة إن اقتضى الأمر. غير أنه لا ينبغي استخدام اللغات الأجنبية في تهميش اللغة الوطنية، بل ينبغي الاستفادة من هذه اللغات في تنمية لغتنا الوطنية.
– والترجمة أيضا عنصر ضروري في مثل هذه الدراسات، فبفضل الترجمة ارتقت بعض الآداب إلى العالمية ومن خلال الترجمة أيضا نستطيع معرفة هذه الآداب وطبيعتها، لذا يجب على المجتمع الاهتمام بترجمة الآداب الوطنية والأجنبية وأيضا العلوم الأخرى، وخاصة المجتمعات التي يكتب ويقرأ أهلها بأكثر من لغة.
– وأما التيارات الفكرية والفلسفية والأدبية فهي تعد أيضا من المصادر الأساسية التي يرجع إليها الباحث عند مقارنته للآداب المختلفة، فهذه المدارس التي ينتمي إليها كتاب ومفكرون من أمم مختلفة قد تكون المصدر الذي من خلاله يتأثر هؤلاء الكتاب بعضهم ببعض.
2 – التعريف:
– الأدب المقارن علم حديث يعتمد على المقارنات بين الآداب المختلفة على أساس التأثيرات المتبادلة بينها وهو علم يسعى لإبراز التواصل الثقافي بين الأمم.
– لقد أطلق على الأدب المقارن مسميات عدة لم يشتهر منها سوى اصطلاح « الأدب المقارن ». وكان أبل فيلمان (Abel François Villemain) الفرنسي (ت 1870م) أول من أطلق سنة 1829م مصطلح « المقارنة الأدبية ».
– أما جان جاك أمبير (Jean-Jacques Ampère) (ت 1864م) فقد استخدم سنة 1848م مصطلح « التاريخ المقارن ». وكان سانت بوف (Charles-Augustin Sainte-Beuve) (ت 1869م) قد استعمل سنة 1871م مصطلح « تاريخ الآداب المقارنة ». وأما بوسنيت (Hutcheson Macaulay Posnett) (ت 1927م) فقد أصدر كتاباً بعنوان « الأدب المقارن » سنة 1886م.
– وقد استعمل فان تيجم وجان ماري كاريه وبالدنسبرجر اصطلاح « تاريخ العلاقات الأدبية الـدولية » وهم من الرواد الأوائل في فرنسا.
– ولكن اصطلاح « الأدب المقارن » هو الاصطلاح الأكثر شيوعا في جميع لغات العالم رغم اختلافه بين اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية.
– عُرف هذا العلم عند الفرنسيين باسم (littérature comparée) وعُرف في الإنجليزية باصطلاح (comparative literature)، ومعناه بالفرنسية « الأدب المقارَن » بفتح الراء، وبالإنجليزية « الأدب المقارِن » بكسر الراء.
– اختلفت الآراء حول ماهية الأدب المقارن تبعاً لاختلاف المدارس الأدبية والفنية ومدارس النقد في أوروبا، ومع ذلك فإن ميدان الأدب المقارن ليس ميدانا نقديا.
3 – المفهوم:
– وليس الغرض من المقارنة معرفة جوانب تفوق عمل أدبى على آخر، ولا الموازنة أو المقابلة، ولكن المقصود دراسة الأدب الوطني في علاقته التاريخية بغيره من الآداب المختلفة في نطاق اللغة الوطنية التي كتب بها.
– إذن، فالأدب المقارن كاصطلاح هو العلم الذى يبحث ويقارن بين العلاقات المتشابهة بين الآداب المختلفة في لغات مختلفة، والعلاقات المتشابهة لا بد أن يتوفر فيها عنصر التأثير. غير أن بعض المدارس لا تشترط عنصر التأثير، وقد يرجع ذلك إلى أسباب تاريخية أو أيديولوجية.

***

* – نشأة الأدب المقارن:
– نشأ الأدب المقارن في غرب أوروبا خلال القرن التاسع عشر نتيجة جهود النقاد والأدباء في فرنسا وإنكلترا وألمانيا. والمدرسة التاريخية هي أول مدارس الأدب المقارن التي أسسها الفرنسيون، فهم يزعمون أن الأدب المقارن ظهر في أواخر القرن التاسع عشر مع ظهور المنهج التاريخي.
– غير أن المدارس الأخرى ترى أن هذا العلم ظهر قبل ذلك بكثير، فالدراسات المقارنة النظرية والتطبيقية التي ظهرت منذ أوائل القرن التاسع عشر تعد من الأدب المقارن، وأن الصلات التاريخية التي تشترطها المدرسة التاريخية ليست معيارا ضروريا في نشأة واكتمال الأدب المقارن.
– غير أن الظاهرة سبقت المفهوم، فالتأثير الأدبي ظهر منذ وجود الأدب، ومن ذلك المؤثرات الأدبية العربية والفارسية وتأثير الأدب اليوناني في الأدب الروماني، وغيرها.
– ونتيجة لظروف مختلفة كالهجرة والاستيطان أدى ذلك إلى اكتشاف آداب الآخر ومحاكاة الأدباء. كان هوراس (Horace) (ت 8 ق.م) في « فن الشعر » يدعو الرومانيين إلى محاكاة اليونانيين.
– فقد تأثر الرومان بكتب اليونان الأدبية والفلسفية وشتى الفنون الأخرى. أبرزهم فيرجيل اللاتيني (Virgile) (ت 19 ق.م) الذي تأثر في « الإنيادة » (Enéide) بهوميروس (Homère) -عاش في القرن الثامن قبل الميلاد- في الإلياذة (Iliade) والأوديسا (Odyssée). كما أن هوراس نفسه تأثر بشعراء اليونان الذين سبقوه.
– ويعد الشاعر الفرنسي جان دورا (Jean Dorat) (ت 1588م) من أوائل النقاد الذين أشاروا إلى الأثر اليوناني على الآداب الرومانية دون أن يتطرق إلى الصلات التاريخية بينهما.
– أما بتراركا الإيطالي فكان على دراية بالشعر العربي في القرون الوسطى، فهو يفتخر بتفوق الشعر الإيطالي على الشعر الأوروبي لكنه يتحسر على عدم بلوغه ما بلغه شعر العرب.
– وفي العصر الأموي والعباسي ترجم العرب معظم النصوص اليونانية إلى العربية ثم ترجمها الأوروبيون في القرون الوسطى من العربية إلى اللاتينية.
– وكان الفرنسيون في عصر النهضة يدعون إلى محاكاة قدماء اليونان والرومان للنهوض بأدب اللغة الفرنسية، والاعتماد على الأصل بدلا من النصوص المترجمة. وهذا ما شجع الطلاب والباحثين إلى تعلم اللغة اليونانية والرومانية.
– لا يجوز محاكاة الأدباء من اللغة نفسها، لأن مثل هذه المحاكاة تؤدي إلى جمود اللغة وركودها. المحاكاة ليست تقليدا محضا، وإنما هي السير على هُدى نماذج بمثابة قدوة للكاتب.
– محاكاة الآداب القديمة يؤدي إلى ظهور أجناس أدبية جديدة، إذا كانت هذه الآداب من لغة أخرى. على أن المحاكاة يجب ألا تمحو أصالة الكاتب. وكان أرسطو (Aristote) (ت 323 ق.م) أول من دعا إلى محاكاة الطبيعة. ومحاكاة الأدباء هي إكمال لنظرية أرسطو.
– لقد تأثرت الآداب الأوروبية في القرنين (17م-18م) ببعضها وبالآداب الأخرى وتعرض لها النقاد بالبحث، من أمثال فولتير (Voltaire) (ت 1778م) وبعض نقاد عصره، إلا أنهم كانوا يصدرون أحكاما ذاتية بعيدة عن منهج الأدب المقارن.
– لم يتجاوز النقد في أوروبا حدود السرد حتى نهاية القرن 18 الميلادي. وفي القرن  19 الميلادي ازدهرت الآداب وتقدمت البحوث العلمية كما تعددت التراجم. فنشأ عن ذلك اتجاهات عامة مهدت الطريق إلى نشأة الأدب المقارن في هذا القرن، من بينها الحركة الرومانتيكية والنهضة العلمية.

***

* – عوامل نشأة الأدب المقارن:
هناك عوامل عدة ساهمت في تطور الاتجاهات الأدبية وعلاقتها بالمجتمع، أبرزها الحركة الرومانتيكية والنهضة العلمية.
1 – الحركة الرومانتيكية:
– عرفت الحركة الرومانتيكية (romantisme) ازدهار الفكر والأدب، كما ظهرت في عصرها التيارات الفكرية والمذاهب الأدبية.
– قامت الرومانتيكية على أنقاض الكلاسيكية (classicisme) في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر للميلاد في أوروبا. ظهرت في إنكلترا أولا، ثم بلدان غرب أوروبا حيث مهدت لنشأة الأدب المقارن. وجهت الدراسات الأدبية وجهة مقارنة، وكانت مبادئها في جملتها معارضة لمبادئ الكلاسيكية.
– كان العقل عند الكلاسيكيين أساس فلسفتهم في الأدب، فالشعر عندهم يعتمد على لغة العقل، ويتعارض مع الخيال والعواطف الفردية. فالشاعر ينبغي أن يعبر عن المشاعر المشتركة بين الناس والمجتمع.
– والكلاسيكيون أيضا من دعاة محاكاة أدباء اليونان والرومان لكن اعتمادا على العقل. غير أن هذا النوع من المحاكاة الذي يمجد العقل الجماعي نتج عنه ضعف الإبداع الفردي عند الشعراء، مما أدى إلى انحطاط الشعر في القرن الثامن عشر الميلادي، وكان سببا في انحدار الكلاسيكية وقيام المذهب الرومانتيكي.
– قامت الرومانتيكية على أساس الفلسفة العاطفية التي راجت في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر للميلاد. والرومانتيكيون يستهجنون الاتجاه العقلي ويستبدلون به العاطفة والشعور.
– ومن أبرز رواد هذا التيار الشاعر الفريد دي موسه (Alfred de Musset) (ت 1857م) الذي عارض بوالو (Nicolas Boileau) (ت 1711م) في مبدئه الذي يعتمد على العقل.
– والجمال عند الرومانتيكية مرده الذوق الفردي وليس العقل الجماعي. فالفنان يخلق الجمال بفضل عبقريته الفردية وليس اعتمادا على الغير.
– كان الكلاسيكيون متمسكين بالحفاظ على العادات والتقاليد والإبقاء على الفروق الطبقية في المجتمع، خدمة للطبقة الأرستقراطية على حساب الشعب.
– أما الرومانتيكيون فهم يحاربون الطبقية ويتعاطفون مع أفراد المجتمع، ويدعون إلى تحرير المجتمع من قيود الأرستقراطيين المجحفة.
– الأدب عند الكلاسيكيين أدب أرستقراطي محافظ، غايته تلقين الفضائل الاجتماعية والحفاظ على العادات والتقاليد دون انتقادها أو مناقشتها، وهو أدب ينتصر للواجب على حساب العاطفة.
– أما الرومانتيكيون فهم يرون أن الغاية من الأدب هو استجابة للعواطف والثورة على ما يمس بحرية الفرد وحقوقه تجاه المجتمع. وهذا خلاف ما يذهب إليه الكلاسيكيون الذين انتصروا للمجتمع على حساب الفرد، ودعوا إلى احترام العادات والتقاليد كما هي.
– ومن جهة أخرى، نجد الكلاسيكيين يرسمون القواعد العامة للأجناس الأدبية، وعلى الأديب اتباع هذه الخطوط ولا ينبغي تعدي حدودها. هذه القيود تحد من حرية الكاتب. أما الرومانتيكية فقد دعت إلى احترام العبقرية الفردية، فهي حق منة حقوق الكاتب.
– وبذلك تكون الكلاسيكية ذات اتجاه محافظ، وأما الرومانتيكية فهي ذات اتجاه تحرري مبدع.
– كان الكاتب الكلاسيكي من الطبقة الوسطى يعتمد في رزقه على الطبقة الأرستقراطية، ويخضع لقوانين الكنيسة ورجال الإقطاع الذين يسيطرون على المجتمع. لذا لم يستطع الأدب الكلاسيكي تغيير أوضاع المجتمع المحافظ أو القيام بثورة.
– في حين استطاع الرومانتيكيون أن يمهدوا الطريق أمام الطبقة الوسطى للوصول إلى مقاليد الحكم، بعد أن وجدوا جمهورا عريضا ناقما على الطبقة الأرستقراطية فتعاطف معهم.
– هذا الجمهور يتمثل في الطبقة البرجوازية اعتمد عليه الكتاب بديلا عن الطبقات الأرستقراطية.
– كان الأدب الرومانسي ذا طابع إنساني شعبي يتحدث عن المشاعر والعواطف الفردية ويعبر عن آمال الطبقة الوسطى. فكان لهذا الاتجاه الثوري نتائج إيجابية في كافة المجالات، ومن بينها الأدب والنقد.
– ولما كان الرومانتيكيون لا يؤمنون بقيود الأدب، وأن الذوق يتغير من أمة إلى أخرى ومن فرد إلى آخر، نشأ « تاريخ الأدب » في القرن التاسع عشر للميلاد. وقد أثر ظهور « تاريخ الأدب الحديث » في نشأة « الأدب المقارن ».
– وأصبح النقد يبحث في حياة المؤلف وبيئته وإنتاجه الأدبي وعلاقته بالأدب القديم والمعاصر من حيث الأثر والتأثير. ومن رواد هذا المذهب الألماني شليجل (Auguste Schlegel) (ت 1845م) الذي مهد لتاريخ الأدب الحديث. وكان شليجل أول من قام بمقابلة بين الرومانتيكية والكلاسيكية وقد تبعه في ذلك المدام دي ستال (Germaine de Staël) (ت 1817م) في كتابها « حول ألماني » (De l’Allemagne).
– لقد أعجب شليجل بأدب دانتي وبتراركا وبوكاشيو لخروجهم عن تقاليد الكلاسيكية، وعدهم من الرومانسيين رغم أنهم من القرون الوسطى. لكن شليجل لم يبحث عن المصدر الذي اعتمدوا عليه في أعمالهم حتى أصبحوا رواد عصرهم.
– لقد تأثر دانتي (Dante Alighieri) (ت 1321م) في « الكوميدي » وفي الحياة « الجديدة » بمصادر عربية أدبية وصوفية، كما كان بتراركا (Francesco Petrarca) (ت 1374م) مطلعا على آداب العرب، أما بوكاشيو (Giovanni Boccaccio) (ت 1375م) فقد كتب قصص « الأيام العشرة » وكأنها فصل من فصول الليالي العربية.
– لقد ظهر أدب الرومانس في القرون الوسطى وهو يعني القصة الخيالية، لكن هذا لا علاقة له بالمذهب الرومانتيكي. وقد يكون مصطلح الرومانتيكية مشتقا من القصة المسماة الرومانس.

***

2 – أوجه الاختلاف بين الكلاسيكية والرومنطيقية:
– كان العقل عند الكلاسيكيين أساس فلسفتهم في الأدب.
– أما الرومانتيكيون فقد اعتمدوا على العاطفة، فليس من حقيقة دون جمال.
– الغاية من الأدب عند الكلاسيكيين تلقين الفضائل وهو أدب أرستقراطي.
– أما عند الرومانتيكيين فهو الاستجابة للعواطف والثورة على شرور المجتمع.
– الأدب عند الكلاسيكيين غايته الحافظ على العادات والتقاليد.
– أما الرومانتيكيون فهم يستخدمون الجمال في معناه العاطفي الإنساني.
– انتصر الكلاسيكيون للمجتمع على حساب الفرد، ودعوا إلى احترام الأعراف.
– أما الرومانتيكيون فهم يدافعون عن حقوق الفرد تجاه المجتمع.
– الكلاسيكيون يحافظون على الفروق الطبقية في المجتمع.
– أما الرومانتيكيون فهم يحاربون الطبقية ويتعاطفون مع الناس جميعا.
– يحدد الكلاسيكيون القواعد العامة للأجناس الأدبية، هذه القيود تحد من حرية الكاتب.
– أما الرومانتيكية فقد نادت بحق العبقرية الفردية للكاتب.
– كانت الكلاسيكية ذات اتجاه محافظ.
– أما الرومانتيكية فهي ذات اتجاه تحرري مبدع.

***

* – تطور النقد:
– ومن أبرز الرومانتيكيين الذين بنوا نقدهم على أسس علمية حيث مهدوا لنشأة الأدب المقارن: المدام دي ستال وسانت بوف.
1 – مدام دي ستال (ت 1817م):
– جرمان المعروفة بالمدام دي ستال، هي من أب سويسري وزوجة سفير السويد في باريس البارون دي ستال. كان لأمها ناد في باريس تعرفت فيه على الأدباء. وكانت من المعارضين لنابليون، الذي نفاها خارج فرنسا عدة مرات، حيث كانت تلجأ إلى ألمانيا.
– من كتبها « حول ألماني » وكتاب أخر « الأدب في علاقته بالنظم الاجتماعية ». وهي من دعاة لحركة الرومانتيكية في فرنسا، تأثرت بالفلاسفة والنقاد الألمان.
– كانت كثيرة الأسفار وواسعة الاطلاع على الآداب الأخرى. وكان نقدها ذا طابع علمي يبنى على التفسير والتعليل، وهذا عكس الكلاسيكية التي كانت تعتمد على التقنين والتعقيد.
– درست الأدب في مناحيه الفردية والاجتماعية، متأثرة بأدباء ألمانيا، كما دعت إلى بناء النقد على أسس فكرية.
– ورغم أنها تعتبر الأدب وليد العبقرية الفردية، إلا أنها كانت تبحث في تفسير الأدب بتأثره بالنظم الاجتماعية التي تخضع لها الأمة. فهي ترى أن الأدب صورة للمجتمع، لأنه يتأثر بالنظم الاجتماعية، كالدين والسياسة والعادات والتقاليد وغيرها من نظم الحياة التي تؤثر في الفكر والإحساس والذوق.
– كانت في نقدها تضرب الأمثال بالآداب الأخرى، وتشير إلى وجوه الشبه بينها. كما كانت تشير إلى نشأة بعض الأجناس الأدبية في الأمم الأخرى. كما دعت إلى معرفة الآداب الأخرى ودراستها في لغتها الأصلية. وكان لها الفضل في تعريف الفرنسيين بالأدب الألماني.
– وباتجاهها العلمي في النقد، كان لها الفضل في نشأة الأدب المقارن ونهضته. درست أوجه الشبه والاختلاف بين الأدب الفرنسي والألماني، إلا أنها أهملت الصلات الأدبية بعضها ببعض.
2 – سانت بوف (ت 1869م):
– درس سانت بوف الطب أولا ثم مال إلى الأدب والنقد. لقد تطور النقد على يده بفضل تخصصاته المتعدد، حيث استفاد من التشريح الطبي في التحليل الأدبي. وهو من أبرز نقاد فرنسا في عصره، ومن أشهر كتبه « بور رويال » (Port royal) عن كتّاب الجانسينية (jansénisme).
– كان يبحث في الإنتاج الأدبي من حيث دلالته على المجتمع، كما فعلت المدام دي ستال. لكنه كان يبحث أيضا في الأدب من حيث دلالته على مؤلفه. حيث اتخذ من التحليل الأدبي وسيلة في معرفة شخصية المؤلف والكشف عن دقائقها، كما كان يصدر أحكاما على المؤلفين.
– كما انتهج في نقده الاتجاه التحليلي التطبيقي مثلما فعلت المدام دي ستال. ودعا إلى موازنة النصوص الأدبية بنظائرها من أجل معرفة خصائصها بوضوح.
– ورغم اقتصاره على الأدب الفرنسي، إلا أنه كان يبحث عن عناصر تكوين الكاتب في خارج حدود أمته. فالكاتب عنده قد ينتمي إلى أسرة فكرية عالمية في الآداب الأخرى. وهذا هو جوهر الأدب المقارن، رغم أن سانت بوف لم يتجاوز الموازنات الأدبية في الأدب الفرنسي نفسه.
– يتضح مما سبق، أن الرومانتيكية كانت تدعو إلى الإفادة من الآداب الأخرى، ودراسة هذه الآداب في لغاتها الأصلية، وتوجيه النقد توجيها علميا، ثم البحث عن عناصر تكوين ثقافة الكاتب.
– ورغم تطور النقد في عهد الحركة الرومانتيكية، إلا أن الدراسات الأدبية المقارنة ظلت سطحية وغير منهجية، إلى أن ظهرت النهضة العلمية التي أدت إلى ظهور الأدب المقارن نهائيا في القرن التاسع عشر الميلادي.

***

* – النهضة العلمية الحديثة:
– يعتبر القرن 19 الميلادي عصر الدراسات النظرية والتجارب العلمية. حيث أصبحت الدراسات العلمية تبنى على أساس منهجي. كذلك شهد هذا القرن ظهور المخترعات البخارية والكهربائية. وكان لهذه النهضة تأثير كبير على الأدب والنقد.
– وأصبح العلم هو أساس المجتمع ومستقبل الإنسان. غير أن التقدم العلمي كان من الأسباب التي أدت إلى القضاء على الرومانتيكية حينما اتبع الكُتاب والنقاد مناهج العلم في الأدب والنقد.
– فاتجه الأدب إلى واقع الحياة، يعبر عن آمال وآلام الفرد بعيدا عن الخيال. وبذلك قامت الواقعية (réalisme) على أنقاض الرومانتيكية في النثر. ثم ظهرت البرناسية (parnasse) في الشعر، ولم يعد لمذهب الرومنتيكية أثر إلا ما نستشفه من عاطفة في بعض الأشعار والقصص الرومانسية.
– وبفضل العلم ظهر جمهور جديد للكتاب، هو جمهور العمال. فأصبح الكُتاب يدافعون عن العمال في أدبهم ويحرضونهم على البورجوازيين. وقد كان من قبلهم الرومانتيكيون يدافعون عن البورجوازيين ضد الأرستقراطيين.
– وكان للعلم بالغ الأثر في موضوعات واتجاهات الأدب والنقد، حيث اتجه النقاد إلى الشرح والبحث عن أصول الأفكار. ومن أشهر المفكرين في هذا العصر، داروين (Charles Darwin) (ت 1882م) الذي جاء بنظرية النشوء والتطور، ومن كتبه « أصل الأنواع » (L’origine des espèces). وعلى الرغم من أن هذه النظرية ليست لها قيمة علمية، إلا أنها راجت رواجا كبيرا.
– فظهرت بعده كتب عديدة تبحث في أصول الأشياء والنظم الاجتماعية والأديان، وتفسر الظواهر تفسيرا علميا. وقد دفع هذا الاتجاه النقاد إلى البحث في التكوين الثقافي للأفراد والأمم.
– وممن تأثروا بهذا الاتجاه، الكاتب الإنكليزي « بوسنت » في كتابه « الأدب المقارن »، الذي ظهر سنة 1881م. درس فيه تأثر الأدب بالعوامل الاجتماعية وتطورها بتطور المجتمع. كما دعا إلى الخروج من نطاق الأدب الواحد. ورغم بدائية هذه الدراسة المقارنة إلا أنها كان لها تأثير في نشأة الأدب المقارن.
– وفي هذا القرن أيضا، اتجه العلماء إلى المقارنات لاستقراء النصوص واستنباط الحقائق. فظهرت دراسات مقارنة في العلوم الطبيعية وعلوم اللغة وغيرها. وكان لهذه الدراسات تأثير مباشر في ظهور المقارنات الأدبية. فحذا تاريخ الأدب حذو هذه الدراسات في اتجاهه نحو الأدب المقارن.
– وعلى الرغم من أن الدراسات الأدبية المقارنة في هذا العصر لم تكن منهجية، إلا أن هؤلاء النقاد كانوا من الممهدين لظهور الأدب المقارن بوصفه علما.

***

* – رواد الأدب المقارن:
– ظهر في فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر باحثون اهتموا بالعلم في نقدهم وبالصلات بين الآداب. هم تين، وباري، وبرونيتيير، وتكست.
– هيبوليت تين (Hippolyte Taine) (ت 1863م)، ناقد ومؤرخ وفيلسوف. من كتبه: فلسفة الفن، وتاريخ الأدب الإنكليزي. وهو من النقاد الذين أثروا في المفكرين والكتاب بنقدهم العلمي.
– فهو يرى أن الأدب يتأثر بالبيئة والجنس البشري. فهو يبني نظريته على التفسير العلمي للتطور، ومع ذلك ظل وفيا لمبادئ الرومانتيكية في نظرتها للمقارنة الأدبية.
– أما غاستون باري (Gaston Paris) (ت 1903م)، فقد اهتم بدراسات الأساطير والخرافات الشعبية، وكان له الفضل في إعداد جيل من المقارنين. ومن كتبه: « الشعر الفرنسي في القرون الوسطى »، و »الأدب الفرنسي في القرون الوسطى ».
– يرى جاستون باري أن الأدب الفرنسي في القرون الوسطى قد تأثر بالآداب الأخرى في نشأته. وأن الأقصوصة الشعبية المسماة الفابليو (fabliau)، قد تأثرت بالآداب الشرقية في تلك العصور. انتشرت هذه الأقصوصات في فرنسا بين القرنين 12 و14 للميلاد.
– وهي حكايات تنظم شعرا، موجهة لجمهور العامة، تنتقد مساوئ المجتمع في قالب ساخر وفكاهي بغرض التسلية، وهي لا تختلف كثيرا عن المقامات العربية التي سبقتها. ورغم تزامنها مع الأدب الفروسي في ذلك الوقت، إلا أنها لم تهتم بالمرأة كما اهتم بها الشعراء التروبادور.
– يرى باري أن التقاء الغرب بالشرق في الحروب الصليبية نقل كثيرا من هذه القصص التي كانت منتشرة بين الشعوب العربية والهندية والفارسية آنذاك.
– أما تلميذه جوزيف بيديه (Joseph Bédier) (ت 1938م) فهو لا يرى من ذلك سوى صدفة. وفي نظره، أن هذه القصص من الأدب الشعبي الذي تلتقي فيه قصص جميع الشعوب من غير تأثير أو تأثر، لسذاجتها وبنائها على الفطرة.
– لكن بيديه لم يأت ببراهين مقنعة عندما أنكر التأثير الشرقي على الفابليو. وقد تجاهل أن في الوقت الذي نشأت فيه هذه الأقصوصات لم يكن الشعب الفرنسي يعيش في حالة فطرية. ثم إن العلاقات التاريخية بين الإفرنج وبلاد المشرق والأندلس ثابتة ثقافيا وتاريخيا. غير أن نظرة بيديه الضيقة واجهت انتقادات أستاذه جاستون باري والكثير من الباحثين والمستشرقين.
– لقد وجه جاستون باري تلامذته لدراسة المسائل الأدبية دراسة مقارنة. وبذلك يكون قد أسهم في نشأة الأدب المقارن.
– وأما فرديناند برونيتيير (Ferdinand Brunetière) (ت 1906م)، الذي كان أستاذا لتاريخ الأدب والنقد في جامعة باريس، فقد دعا إلى تأسيس النقد على حقائق التاريخ والبيئة. كما درس العلاقات التاريخية والفنية والعلمية للأجناس الأدبية. وكان برونيتيير يحث الباحثين على العناية بالأدب المقارن ودراساته. كما كان يلح على ربط الفن بالأخلاق.
– غير أن برونيتيير واجه انتقادات كثيرة حول نشأة الأجناس الأدبية التي تأثر فيها بنظرية التطور لداروين. فهو يرى أن الجنس الأدبي ينشأ بعد زوال جنس آخر. لكن الأجناس الأدبية ليست مستقلة، بل تتأثر بتطور الشعوب وتقاليدها وبيئتها.
– فالنقاد الذين ذكرناهم سابقا كان لهم الفضل في نشر فكرة الأدب المقارن في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فظهرت فيه بحوث كثيرة في فرنسا وسويسرا وإنكلترا وغيرها. غير أن هذه البحوث لم تتعرض للعلاقات الأدبية والأثر والتأثير حسب المنهج الذي يبنى عليه الأدب المقارن عند المدرسة الفرنسية.
– وترى هذه المدرسة أن الأدب المقارن اكتمل على يد الباحث الفرنسي جوزيف تكست (Joseph Texte) (ت 1900م) في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي. الذي يعود إليه الفضل في إرساء أسس الأدب المقارن الحديث. وذلك بفضل توجيه أستاذه برونيتيير، حيث انصرف لدراسة الصلات بين الآداب الأوروبية.
– لقد بين في دراسته تطور الأفكار واختلافها على حسب تطور الشعوب واختلاف أحوالها الاجتماعية. ودراسة النصوص ينبغي ربطها بالحياة الاجتماعية. ولا ينبغي إغفال جانب الصحف والمجلات والفن.
– وبذلك يكون تكست أول من تطرق إلى الصلات الأدبية في الأدب المقارن. وذلك بفضل استفادته من دروس تاريخ الآداب التي كان يلقيها أستاذه فرديناند برونيتيير في جامعة السوربون بباريس. ثم تبعه في ذلك كل من فرنان بالدنسبرجر (Fernand Baldensperger) (ت 1958م) وبول فان تيجم (Paul Van Tieghem) (ت 1948م) وجون ماري كاري (Jean-Marie Carré) (ت 1958م) وغيرهم.
– هؤلاء هم الذين اكتمل على يدهم تأسيس الأدب المقارن في باريس. فنشأ الأدب المقارن مرتبطا بتاريخ الأدب، لكنه استقل عن النقد الأدبي.
– هذه النظرية تخص المنهج التاريخي الذي يعتمد على ظاهرة التأثير والتأثر والصلات الأدبية التاريخية، فمن غير هذه الصلات لا تعد الدراسة من الأدب المقارن.
– أما المدارس الأخرى فهي ترى أن الأدب المقارن ظهر منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي وليس في أواخر هذا القرن كما تزعم المدرسة التاريخية. فعنصر الصلات التاريخية للأدب لا ينبغي أن يكون شرطا في الأدب المقارن. فالدراسات المقارنة التي سبقت تأسيس المدرسة الفرنسية تعد من الأدب المقارن حتى وإن لم تبنى على منهج.
– ومن خلال ما مر بنا من خلال مراحل تطور النقد ونشأة الأدب المقارن، يتبين لنا أن الدراسة المقارنة لا تعتمد على التقنين والتعميم، بل على نصوص مختلفة من الآداب في لغاتها الأصلية. والأدب المقارن يدرس الآثار الأدبية في جوانبها الفنية والفكرية، وفي تكوينها، وفي ظروفها التاريخية والاجتماعية.
– ويتناول بالدرس كذلك الأذواق الأدبية وتطورها وعلاقتها بالحياة الاجتماعية. كما يدرس المظاهر المختلفة للمواهب الفردية، وأوجه الشبه والاختلاف بين الآداب ومدى تأثرها فيما بينها. ويتم ذلك عن طريق المقارنة بين الآداب المختلفة ودراسة الصلات التاريخية بينها، حسب المنهج التاريخي، غير أن هناك مدارس تعتمد مناهج أخرى.

***

* – عوامل عالمية الأدب:
– عالمية الأدب معناها خروجه من نطاق لغته الأصلية إلى آداب اللغات الأخرى. وذلك بفضل الترجمة والاقتباس والصلات الأدبية الأخرى.
– تبادل التيارات الفكرية والمحاكاة أدى إلى نهضة الآداب على مر العصور. ومن ذلك محاكاة أدباء أوروبا للأدب اليوناني في عصر النهضة. وكذلك نهضة الأدب العباسي بعد احتكاكه بأدب الفرس والهند وعلوم اليونان.
– ومن بين هذه العوامل:
1 – الهجرات:
– تهاجر الجماعات البشرية من بلد إلى آخر لأسباب مختلفة.
– فتؤثر في البيئة التي تنتقل إليها أو تتأثر بها لغة وثقافة.
– فقد تكتسب بعض الخصائص كما تحتفظ ببعض خصائصها الأصلية.
2 – الحروب والغزوات:
– كالحروب الصليبية وغزوات الإفرنج على الأندلس التي عرفت الأوروبيين على حضارة العرب والمسلمين.
– ومن ذلك الأسرى من جنود ومدنيين وسبايا الذين يؤثرون في المجتمع الذي يساقون إليه قبل أن يذوبوا فيه.
– كذلك الاستعمار الذي يمهد للهجرة والاستيطان وما يخلفه من تأثير في ميادين شتى على مجتمع الأهالي.
3 – المعارف اللغوية:
– معرفة اللغات الأجنبية وآداب الأمم الأخرى من أهم عوامل عالمية الأدب.
– ومن ذلك الصلات الأدبية الفارسية والهندية بالأدب العربي القديم ودورها في نشر الأدب بفضل العارفين بلغات هذه الأمم.
– والألفاظ اللغوية المشتركة بين العربية واللغات الأخرى دليل على احتكاك العرب بغيرهم في العصور الوسطى.
– أثناء الفتح تعلم الكثير من المسلمين لغات غيرهم واطلعوا على آدابهم وفكرهم فاستفادوا من أمم كما أفادوا أمما أخرى.
4 – الترجمة:
– الترجمة تساعد على نشر الأذواق الأدبية من لغة إلى أخرى.
– قد يشتهر كاتب عند أمة غير أمته بفضل الترجمة. فعمر الخيام لم يأبه برباعياته في وطنه لما فيها من تشاؤم، ولما تُرجمت إلى اللغات الأوروبية أستحسنها الغربيون، فكانت الترجمة سببا في شهرته.
– الاختلاف في الأصل والترجمة يعبر عن ذوق الأمة وإبداع المترجم. فالمترجم يستخدم أسلوبه الخاص ويحرص على ألا يترجم ما يتعارض والاتجاه العام للأمة.
– لذا يجب دراسة المترجم أيضا الذي هو كذلك سيؤثر في المجتمع بأسلوبه وإبداعه.
5 – الكتب النقدية والمجلات والصحف:
– يجب الاطلاع على كتب النقد والنظريات الحديثة لمعرفة المستجدات الأدبية والتيارات الفكرية والأدبية في العالم.
– وكذلك المجلات الخاصة بالآداب الأجنبية التي تعرف القارئ بأدب الآخر والدراسات الأدبية الحديثة.
– وكذلك والصحف الوطنية والأجنبية التي تنقل أخبارا عن مشاهير الأدباء وأدبهم.
– أما الوسائل السمعية البصرية كالتلفزيون والراديو والإنترنت، فهي من أهم وأخطر عوامل عالمية الأدب في عصرنا.
6 – أدب الرحلات:
– يتعرف الكاتب على صورة بلد أجنبي بواسطة أدب الرحلات.
– كما أنه يستقي معلوماته عن الأمم الأخرى من كتب الرحالة.
– لقد تعرف الروس والبلغار على تاريخهم القديم وأحوالهم بواسطة رحلة ابن فضلان (ت 960م)، وجعلوها مصدرا أساسيا يرجعون إليه كلما احتاجوا إلى ذلك.
7 – النوادي والأسواق الأدبية:
– تعود إلى العصر الجاهلي واشتهرت في العصور الإسلامية وخاصة الأندلس. وقد تأثر بها الأوروبيون في القرون الوسطى، وبالأخص التروبادور (Troubadours) والتروفير (Trouvères) في فرنسا.
– يلتقي فيها الأدباء على اختلاف لغاتهم والذين يأتون من أنحاء مختلفة.
– وفي العصر الحالي ظهرت المهرجانات الثقافية والملتقيات الأدبية والندوات الفكرية.
8 – الوسطاء في الأدب:
– قد يكون الوسيط شخصا أو بيئة، فالبيئة أيضا تساعد على التقاء أدبين.
– المثقف الذي يعرف أمته بأدب أجنبي هو الوسيط، بسبب ظروف الهجرة والرحلات والمطالعة.
– ومن الأدباء من زار بلدا أجنبيا وبعد عودته عرّف مواطنيه بأدب ذلك البلد. ومنهم مدام دي ستال التي عرّفت الفرنسيين بالأدب الألماني.
– أما المدارس والجامعات فهي من أهم الأماكن التي يتعرف فيها الطلبة على الآداب الأجنبية.

***

* – الأدب المقارن عند العرب:
– لقد عرف الأدب العربي ظاهرة تبادل التأثير والتأثر منذ عصوره الأولى، وذلك نتيجة اختلاط العرب بغيرهم من الأمم أثناء الفتوحات الإسلامية، إضافة إلى الترجمات التي قاموا بها من الفارسية والهندية واليونانية إلى لغتهم، وكذا اطلاع الأمم المجاورة على أدب العرب.
– وكان الجاحظ (ت 868م) أول من أشار إلى هذه الظاهرة. لقد تحدث الجاحظ عن البلاغة في الأمم الأخرى كالفرس والهند. وأشار إلى بعض الخصائص العامة المتفقة أو المختلفة بين الشعرين العربي والفارسي. كما قارن بين آداب الأمم الأربعة الكبرى في عصره وهم العرب والفرس والهند والروم (الإغريق).
– كما قارن بين الشعرين الفارسي والإغريقي والشعر العربي فوجدها تختلف من حيث الإيقاع والقافية. ذكر ذلك في كتاب « البيان والتبيين ». لكن مقارنات الجاحظ يغلب عليها الأفكار الذاتية. ومع ذلك، فإن هذه الدراسة المبكرة تدل على أن الجاحظ كان واسع الاطلاع على الثقافات الأجنبية وهذا ما لم نجده عند الأمم الأخرى في عصره.
– يرى الجاحظ أن الشعر لا يجب ترجمته وإلا فقد خصائصه وأصبح كلاما عاديا. لكنه أجاز ترجمة المنثور دون أن تؤثر الترجمة على طبيعة الموضوع. وبهذا، يكون الجاحظ أول من عني بمشاكل الترجمة. وهو أيضا أول من دعا إلى قراءة الشعر في لغته الأصلية. تحدث الجاحظ عن مشاكل الترجمة في كتاب « الحيوان ».
– ويعد الجاحظ أول من تحدث عن صورة الآخر، وذلك في كتاب « البخلاء ». لقد تحدث عن البخلاء من الفرس، لكنه لم يكن عنصريا بحيث ذكر أيضا فضائل البعض منهم.
– لقد عرف الأدب العربي الموازنة منذ أن وجد. وقد تطورت هذه الموازنات في الأدب العربي وألفت فيها الكتب. أشهرها « الموازنة بين الطائيين » للآمدي (ت 981م). و »الوساطة بين المتنبي وخصومه » للقاضي الجرجاني (ت 769م).
– فالآمدي تناول المفاضلة بين البحتري وأبي تمام. وأما الجرجاني فقد حاول التوسط بين المتنبي وخصومه. غير أن هذه الموازنات لم تتجاوز الطابع الجمالي وجانبت النقد الفكري.
– ولعل أبرز ما أدت إليه هو الحديث عن الأصالة. وهذه الفكرة لم يعرفها النقد الأوروبي الحديث إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. وهي البحث عمن سبق إلى الفكرة من الشاعريْن حينما يلتقيان حول معنى.
– غير أن النقاد العرب وقفوا بالموازنات عند حدود أدباء اللغة العربية، ولم يتطرقوا إلى ما أخذه الشعراء من اللغات الأخرى. وكان من الشعراء العرب من يجيد الفارسية، ومن درس الفكر اليوناني، ومنهم من اطلع على أدب الهند.
– وفي عهد الاستعمار عكف المستشرقون على دراسة آداب العرب وتاريخهم. فمنهم من عمل على ترجمة تاريخ وجغرافية العرب لحساب السلطات الاستعمارية، ومنه من درس معارف العرب قصد تعريف الأوروبيين بآداب وتقاليد العرب.
– وكان بعض المثقفين العرب في عهد الاستعمار قد تعاونوا مع كتاب أوروبا في دراسة المعارف العربية. لقد شهد القرن التاسع عشر الميلادي أولى لبنات التواصل بين الأدب العربي والآداب الأجنبية الغربية. وفي هذه الفترة كتب رفاعة الطهطاوي (ت 1873م) « تخليص الإبريز في تلخيص باريز »، قارن فيه بين الثقافات العربية والفرنسية.
– لقد ظهر مصطلح « الأدب المقارن » لأول مرة، على يد فخري أبو السعود عندما كتب سنة 1935م مجموعة من المقالات، قارن فيها جوانب من الأدب العربي والإنكليزي، دون الإشارة إلى الصلات التاريخية بينها.
– وفي منتصف القرن العشرين بدأت بعض الجامعات العربية تدريس فرع الأدب المقارن الذي لم تكن العربية تعرفه من قبل. وضع كمنهج دراسي في الجامعات.
– وفي هذه الفترة ساهم الجامعيون الذين درسوا في أوروبا في تأسيس الأدب المقارن في البلاد العربية. فظهرت كتب في الأدب المقارن لكن أغلبها ترجمة لأفكار الغربيين.
– وفي الفترة نفسها ظهرت ترجمة « الأدب المقارن » لفان تيجم. غير أن كتاب « الأدب المقارن » لغنيمي هلال الذي صدر سنة 1953م، اعتبر كأول دراسة أكاديمية لذلك الحقل المعرفي في الأدب العربي.
– وفي سنة 1956م تُرجم كتاب « الأدب المقارن » لجويار (Marius-François Guyard) (ت 2011م) إلى العربية. وقد تبين فيما بعد، أن محمد غنيمي هلال لم يتجاوز المدرسة التاريخية، كما أنه أخذ آراء جويار وفان تيجم وغيرهما من الفرنسيين دون مناقشتها.

***

كتاب « الأدب المقارن » لماريوس فرانسوا جويار، 1951م:
مقدمة
ف 1: النشأة والتاريخ
ف 2: الموضوع والمنهج
1 – عدة الباحث المقارن
2 – ميدان الأدب المقارن
– عوامل عالمية الأدب، – الأجناس الأدبية، – الموضوعات، – المؤلفون، – مصادر الكاتب، – التيارات الفكرية، – صورة بلد في أدب بلد آخر
ف 3: عوامل عالمية الأدب
1 – الكتب
– الإلمام بالمعارف اللغوية، – الترجمات، – الكتب النقدية والمجلات والصحف، – أدب الرحلات
2 – رجال الأدب
– المترجمون، – الوسطاء في الأدب، – الرحالة
ف 4: الأجناس والموضوعات والأساطير
1 – الأجناس الأدبية
– المسرحية، – الشعر، – الروايات والقصص
2 – المواضيع والأساطير
– النماذج الشعبية، – المواقف، – النماذج العامة، – النماذج الأسطورية، – الشخصيات التاريخية، – الأساطير الأدبية
ف 5: التأثير والتأثر
1 – كتاب فرنسيون في الخارج
2 – كتاب أجانب في فرنس
– التأثير الإنكليزي والألماني والإيطالي والإسباني والروسي
3 – تأثير الآداب الأجنبية فيما بينه
4 – شكسبير وغوته
5 – التأثير المتبادل
ف 6: المصادر
1 – الاتجاهات الأجنبية في الأدب الفرنسي
– من القرن 16 إلى القرن 20 للميلاد
2 – الاتجاهات الفرنسية في الآداب الأجنبية
– الأدب الأنجلو أمريكي، – الأدب الألماني، – الأدب الإسباني والإيطالي
3 – مصادر أجنبية لكتاب أجانب
ف 7: التيارات العالمية الكبرى (الأفكار والمذاهب والمشاعر)
1 – المذاهب والأفكار الأدبية
2 – الأفكار الدينية والفلسفية
3 الأفكار الأخلاقية وتيارات الوعي
ف 8: الأجنبي كما نراه
1 – الدراسات الجزئية
2 – الدراسات العامة
خاتمة

***

كتاب « الأدب المقارن » لمحمد غنيمي هلال، 1953م:
مقدمة
الباب الأول: تاريخ نشأة الأدب المقارن
ف 1: تاريخ نشأة الأدب المقارن في أوربا ومصر
ف 2: الوضع الحالي للدراسات المقارنة في الجامعات الأوربية والعربية
ف 3: عدة الباحث في الأدب المقارن
ف 4: ميدان البحث في الأدب المقارن
– عوامل انتقال الأدب، – الأجناس الأدبية، – الموضوعات، – تأثير كاتب في أدب آخر، – مصادر الكاتب، – التيارات الفكرية، – بلد ما كما يصوره أدب بلد آخر
الباب الثاني: بحوث الأدب المقارن ومناهجه
ف 1: عالمية الأدب وعوامله
ف 2: الأجناس الأدبية
1 – الأجناس الأدبية الشعرية
– الملحمة، – المسرحية، – القصة على لسان الحيوان
2 – الأجناس الأدبية النثرية
– القصة في الآداب الغربية، – وفي الأدب العربي، – التاريخ
3 – الصياغة الفنية للأجناس الأدبية
– العروض والقافية، – صورة الأسلوب الفنية
ف 3: المواقف الأدبية والنماذج البشرية
– النماذج الإنسانية العامة، – النماذج الأسطورية، – نماذج مصدرها ديني، – النماذج الشعبية، – الشخصيات التاريخية
ف 4: تأثير كتاب أدب في الآداب الأخرى
ف 5: دراسة المصادر
ف 6: المذاهب الأدبية
ف 7: تصوير الآداب الوطنية للبلاد والشعوب الأخرى
خاتمة

***

* – الأجناس أو الأنواع الأدبية:
1 – الملحمة:
– وهي أقدم الأجناس الأدبية، عبارة عن قصة بطولة طويلة تنظم شعرا وتحتوي على أفعال عجيبة. ازدهرت عند الشعوب الفطرية التي تخلط بين الحقيقة والخيال.
– أشهر الملاحم الإلياذة والأوديسة لهوميروس (Homère)، والإنيادة لفيرجيل (Virgile).
2 – المسرحية:
– المسرحية تعتمد على الحوار، وجوهرها الحدث أي الفعل أو الدراما. نشأت المسرحية عن الشعر الغنائي. ومن أشهر المسرحيين اليونانيين إسخيلوس (Eschyle) (ت 456 ق.م) وسوفوكلس (Sophocle) (ت 406 ق.م) ويوريبدس (Euripide) (ت 406 ق.م) وأريسطوفانس (Aristophane) (ت 385 ق.م).
3 – الحكاية على لسان الحيوان:
– هي حكاية ذات طابع تعليمي وتعتمد على الرمز. تنشأ فطرية في أدب الشعب.
– كليلة ودمنة أشهر حكاية ترجمها ابن المقفع (ت 759م) عن الفارسية القديمة.
– أشهر من ألف في هذا الجنس الأدبي، لافونتين الفرنسي (Jean de la Fontaine) (ت 1695م).
4 – الوقوف على الأطلال قديما:
– ظهر هذا الجنس الأدبي في مقدمة القصيدة الجاهلية عند العرب.
– ثم تطور إلى الوقوف على الآثار في عهد الحضارة والعمران.
– أول من نظم في هذا الجنس، البحتري (ت 897م) في سينيته الشهيرة.
5 – القصة:
– القصة آخر جنس أدبي يظهر في الآداب العالمية.
– ظهرت عند اليونان والرومان في القرن (2م) وكانت ذات طابع ملحمي.
– « الحمار الذهبي » أو « المسخ » أول قصة ظهرت باللاتينية للأديب الجزائري أبوليوس (Apulée) (125م-170م).
6 – التاريخ:
– التاريخ في طابعه الأدبي يهتم ببعث الحضارات وتطورها عبر العصور.
– والكشف عن الجهود التي يبذلها مختلف الشعوب.
– ومن أبرز الكتب، « الأغاني » للأصفهاني (ت 967م) و »الآمالي » للقالي (ت 967م)، و »تاريخ » الطبري (ت 923م).
7 – المناظرة والحوار:
– وهي قسمان، المساجلة والمناظرة، وقد ظهرت عند العرب منذ العصر الجاهلي.
– ومن أشهر الكتب « المحاسن والمساوئ » للبيهقي (ت 1066م)، و »المحاسن والأضداد » للجاحظ (ت 868م).
– أما عند الأوروبيين فقد ظهر أدب الحوار في القرن 12 الميلادي، عند التروبادور.

***

* – النماذج البشرية:
1 – النماذج الإنسانية العامة:
– يصور الكاتب نموذجا إنسانيا عاما في الأدب.
– ومنها نموذج البخيل، والبخل صفة من صفات الرذيلة.
– وقد يصور الكاتب نموذجا إنسانيا صالحا ذا فضائل حميدة.
2 – الأساطير القديمة:
– يختار الكاتب منها ما يصلح للتأويل.
– وأشهر هذه الأساطير شخصية « أوديبيوس » (Œdipe) عند اليونانيين، وكذلك « بيجماليون » (Pygmalion) عند الرومان.
3 – نماذج مصدرها ديني:
– وهي المأخوذة عن الكتب المقدسة والقرآن الكريم.
– وغالبا ما يبتعد بها الكتاب قليلا أو كثيرا عن مصدرها.
– ومنها شخصية يوسف وزوليخا، والشيطان وقابيل وغيرها.
4 – الأساطير الشعبية:
– هذه النماذج من الأدب الشعبي والتقاليد الشعبية.
– ولا تعد في الأدب المقارن إلا إذا أصبحت عالمية.
– منها شخصية « شهرزاد »، و »فاوست » (Faust)، و »رسطم »، و »دون خوان » (Don Juan).
5 – الشخصيات التاريخية:
– يتناولها الباحثون بالدرس حين تدخل الأدب، وتكتسب طابعا أسطوريا.
– ومن هذه الشخصيات، ليلى والمجنون، ومنها أيضا شخصية كليوباترا.
– وكذلك الأبطال مثل صلاح الدين الأيوبي والأمير عبد القادر.

***

* – العروض والقافية والصور الفنية:
– هي الصياغة الفنية وتخص النواحي الجزئية في الشعر والنثر. وهذه النواحي الفنية من الخصائص التي تتميز بها اللغات بعضها عن بعض. ولهذا يقل انتقالها من لغة إلى أخرى. لأنها أمور تتصل باللغة الأم والذوق الاجتماعي لكل أمة.
– لكن في بعض الأحيان قد تنتقل هذه النواحي الفنية الخاصة من لغة إلى أخرى. وذلك عندما يكون هناك تشابه وقابلية في العوامل الاجتماعية والفنية بين الآداب. وعند اقتباس الأجناس الأدبية من الآداب الأخرى، ينتقل الجنس الأدبي من أدب إلى آخر بخصائصه الفنية من أوزان أو صور.
– ومن ذلك تأثير العروض العربي على الشعر الفارسي القديم والحديث. لأن أوزان الفرس القديمة يغلب عليها الهزج والرجز مما أدى إلى سهولة التأثر.
– كذلك تأثر شعراء التروبادور في جنوب فرنسا في القرون الوسطى بالموشحات والأزجال في الوزن والقافية، بالإضافة إلى الموضوعات. كما تأثر لامارتين (Alphonse de Lamartine) (ت 1869م) شاعر التأملات الفرنسي في قصيدة « البحيرة » (Le lac) بسينية البحتري.

***

* – الأوزان الشعرية:
1 – الوزن:
– يبنى الشعر على الإيقاع أو الوزن.
– أما الإيقاع فهو نسبي، يختلف من شخص إلى آخر وليس له قاعدة ولا نظام.
– وأما الوزن فقد سنه علماء العروض وله قواعد رتيبة تختلف باختلاف أشعار الأمم قديما وحاضرا.
– يبنى البيت الشعري على مقاطع صوتية تكوّن عددا معينا من التفاعيل تسمى في اللغة الأجنبية (pieds).
– وهي الوحدة الوزنية في كل الأشعار.
– وقد تكون التفعيلة منبورة أو كمية أو مقطعية.
– وعلى هذا الأساس، ينقسم الوزن إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
– البيت المنبور (vers accentué)، والبيت الكمي (quantitatif)، والبيت المقطعي (syllabique).
– في البيت المنبور ينظر فقط إلى عدد المقاطع المنبورة، وقد يختلف عدد المقاطع غير المنبورة من بيت إلى آخر.
– وعلى هذا الوزن، جرى الشعر الجرماني والأنجلو ساكسوني والشعر الإغريقي واللاتيني القديم.
– ويعرف البيت المقطعي من خلال عدد المقاطع الصوتية التي يتشكل منها، بغض النظر عن طبيعتها من حيث الطول والقصر أو ترتيبها.
– وقد جرى على هذا الوزن، الشعر الفرنسي وبعض الأشعار الأوروبية الأخرى.
– ويبنى البيت الكمي على عدد معين من التفاعيل، والتفعيلة على عدد معين من المقاطع الطويلة والقصيرة وترتيبها.
– وقد سار على هذا الطريق الشعر العربي والفارسي.
2 – الأوزان العربية:
– استنبط الخليل (ت 160هـ-776م) البحور 15 من الشعر الجاهلي وهي: الطويل، المديد، البسيط، الوافر، الكامل، الهزج، الرجز، الرمل، السريع، المنسرح، الخفيف، المضارع، المقتضب، المجتث، والمقترب. ثم زاد الأخفش بعده وزنا أخرا هو المتدارك.
– الأجزاء التي يوزن بها الشعر العربي تسمى التفاعيل وأهمها ثمانية، وهي: فعولن، مفاعيلن، مستفعلن، فاعلن، متفاعلن، فاعلاتن، مفاعلتن، مفعولات. وقد ينشأ البيت عن تكرار بعض هذه التفاعيل. فمثلا يبنى البحر الكامل على تكرار متفاعلن ست مرات.
– فقياس الوزن في الشعر العربي إذن هو التفعيلة، وتتألف من وحدات هي: سببان، خفيف وثقيل؛ ووتدان، مجموع ومفروق؛ وفاصلتان، صغرى وكبرى. وقد جمعها العروضيون في جملة « لم أر على ظهر جبل سمكة ».
– فالسبب الخفيف هو متحرك بعده ساكن نحو (لم). والسبب الثقيل متحركان نحو (أر). والوتد المجموع متحركان بعدهما ساكن نحو (على). الوتد المفروق، متحركان بينهما ساكن نحو (ظهر).
– والفاصلة الصغرى ثلاث متحركات بعدها ساكن نحو (جبل). والفاصلة الكبرى، أربع متحركات بعدها ساكن نحو (سمكة).
– وتتكون هذه الوحدات من مقاطع قصيرة وأخرى طويلة. فالقصير نحو حرف الجر (ل). والطويل نحو اسمي الموصول (ما) أو (من).
– وقد يأتي البحر تاما وهذا ما سار عليه أكثر الشعر العربي التقليدي. وقد يأتي ناقصا أيضا. فالتام ما تكررت فيه جميع أجزائه. والناقص ما خلت منه بعض أجزائه كالمجزوء والمشطور.
– فالمجزوء ما نقصت صدره وعجزه تفعيلة أو أكثر. والمشطور ما بني على شطر بيت فقط..
3 – أوزان الموشحات:
– أول من درس أوزان الموشح، ابن سناء الملك (ت 608هـ-1211م)، قسمه إلى قسمين: قسم جاء على أوزان العرب، وآخر لا صلة له بأوزانهم.
– والقسم الذي جاء على أوزان العرب كذلك ينقسم إلى قسمين: قسم لا تختلف أوزانه عن أوزان الخليل وهو الغالب في الموشحات. هاجمه ابن سناء لأنه أشبه ما يكون بالمخمسات ولا يفعله إلا الشعراء الضعفاء. وقد استثنى منه الموشح الذي تختلف قوافي قفله، لأنه يخرج عن المخمسات، مثل قول ابن زهر:

أيها الساقي إليك المشتكى ⁂ قد دعوناك وإن لم تسمع

– والقسم الثاني الذي جاء على أوزان العرب هو ما تخللت أقفاله أو أبياته كلمة أو حركة تخرجه من أن يكون قريضا بحت.
– وتنقسم أوزان الموشحات أيضا إلى قسمين: قسم أوزان أقفاله هي أوزان أبياته نفسها، فلا يختلف جزء القفل عن جزء البيت من حيث الوزن. وقسم تختلف أوزان أقفاله عن أبياته، فيأتي جزء القفل على وزن ويأتي جزء البيت على وزن آخر.
– وقد تكون الموشحة التي تأتي على وزن واحد، من بحر تام، أو مجزوء، أو بحر مشطور. وقد تتكون الموشحة من بحر واحد، لكن في كل حالة من حالاته التامة أو المجزوءة أو المشطورة.
– وغالبا ما تكون الأقفال من الموشحة تامة الوزن، والأبيات مشطورة. وقد تأتي بعض الموشحات أقفالها من بحر واحد وأبياتها من بحر آخر. وقد يكون الشطر الأول من القفل أو البيت أو كلاهما من بحر والشطر الثاني من بحر آخر.
– وقد تأتي الموشحة على بعض التفعيلات من عروض الشعر العربي، لكن ليس لها مصطلح في الميزان الخليلي. وهذا من الأنماط العروضية الجديدة التي ابتكرها الوشّاحون الأندلسيون، وإن كانت من التفاعيل المألوفة، إلا أنها تختلف من حيث التركيب، فتكتسب نغمة جديدة في الشعر العربي.
– لقد ذهب ابن سناء الملك إلى أن الموشحات تنقسم من جهة أخرى إلى قسمين: قسم لأبياته وزن يدركه السمع، ويعرفه الذوق كما تعرفه أوزان الأشعار. وقسم مضطرب الوزن، لا مدخل له بشيء تألفه الأوزان العربية وهو الكثرة الغالبة في الموشحات.
– نستنتج مما سبق أن الوشاح قد لجأ إلى التنويع في الوزن والترتيب الجديد للتفاعيل، وإلى المخالفة بين القوافي في البحر الواحد، أو البيت الواحد. وبهذه الصفة، تكون بعض الموشحات قد خرجت عن أوزان الخليل وليس عن أوزان العرب كما ظن ابن سناء الملك.
– فهذه الأوزان كانت عند أهل الأندلس مألوفة. فالمهمل في الشعر لا يعني الخروج عن الأوزان العربية، ولا يعني أيضا أعاريض أعجمية.
– إن الأوزان الجديدة التي جاء بها الوشّاحون هي ذات إيقاع عربي. فالقول بأنها خارجة عن الأعاريض العربية جاء خطأ عند القدامى، نتيجة إيمانهم المفرط بالتقليد. وهذا الذي شجع بعض المستشرقين إلى القول بأن الموشح متأثر في أوزانه وخرجته بمصادر لاتينية.

***

* – الأشكال الشعرية:
1 – نشأة القافية:
– أول ما وصلنا من الشعر الجاهلي جاء في مرحلة من مراحل تطوره، وهذا يعني أن الشعر العربي عندما نشأ في بدايته لم يتعد المقطوعة الواحدة وذلك في القرن الرابع للميلاد على الأرجح.
– ظهر الشعر مرسلا (السجع) ثم أصبح نظما في القرن السادس الميلادي. ويعد أول نظم عرف القافية بين الأمم.
– نظم العرب في البداية الشعر الموحد القافية في نهاية الأعجاز (الأقسمة الزوجية).
– ثم ظهر تصريع البيت الأول والبقية جاءت مرسلة (الأقسمة الفردية).
2 – الشعر المصرع:
– بناء القصيدة على قافية واحدة أو أكثر من قافية.
– التطور في التقفية أدى إلى التصريع.
– تصريع جميع أبيات القصيدة، (اااا) أو (اب، اب)، أدى إلى ظهور شعر الرجز، وغلب على وزنه بحر الرجز.
3 – المزدوجات:
– ثم تطور المرجز إلى المزدوجات.
– الأرجوزة المزدوجة الأقسمة (اا، ب ب) أو (اب، اب).
– والقصيدة المزدوجة الأبيات (الدوبيت).
4 – الأراجيز المقطعية:
– تطور الأرجوزة المزدوجة الأقسمة إلى المثلثات والمربعات والمخمسات.
– المثلث قافيته (3 ا، 3 ب، 3 س).
– المربع قافيته (4 ا، 4 ب، 4 س).
– المخمس قافيته (5 ا، 5 ب، 5 س).
– ويغلب على الأراجيز المربعات.
5 – المسمطات:
– ثم ظهرت الثلاثيات والرباعيات والخماسيات.
– الثلاثيات (ااب، ج ج ب، س س ب).
– الرباعيات (اااب، ج ج ج ب، س س س ب).
– الخماسيات (ااااب، ج ج ج ج ب، س س س س ب).
– الرباعيات والخماسي المسمط هي الأكثر شيوعا.
– والقافية (ب) هي عمود القصيدة وتُماثل القفل في المشح والزجل.
6 – القصائد الحوارية:
– المناظرة والمساجلة التي يتداول على نظمها شاعران أو أكثر. تنظم حضوريا في مجلس أو بالمكاتبة. قد يكون الشاعران رجلين أو رجلا وامرأة، ويغلب على القصيدة الغزلية التي تشترك فيها المرأة الهجر والعتاب.
– تبنى القصيدة الحوارية على عدد من المقطوعات متساوية الأبيات أو متفاوتة، متفقة القوافي والأوزان أو مختلفة.
7 – الموشحات الأندلسية:
– تتكون من مطلع وأبيات وأقفال وخرجة.
– المطلع (اب أو اا)، قد يتكون من 3 و4 أجزاء، ويسمى أيضا مذهبا.
– قد يتكون البيت من 3 إلى 5 أجزاء مفردة أو مركبة من فقرتين أو أكثر.
– تتكون الموشحة من 5 أبيات في الغالب أو أكثر.
– القفل هو مجموعة الأجزاء التي تتكرر في الموشح. يتفق مع المطلع في الوزن والعدد والقافية.
– يتكون الموشح التام من 6 أقفال و5 أبيات، أما إذا تكون من 5 أقفال فهو أقرع.
– الخرجة هي القفل الأخير من الموشحة، قد تكون فصيحة اللغة، عجمية، ملحونة أو مزدوجة اللغة، وقد تكون مستعارة أو بيتا مشهورا. إذا تسربت العناصر غير الفصيحة إلى باقي عناصر الموشحة تسمى مزنمة.
– الجزء هو القسيم الواحد من المطلع أو البيت أو الأقفال. قد تكون الأجزاء مفردة أو مركبة، متفقة القافية أو مختلفة.
– البيت عند المحدثين يتكون من الدور مع القفل الذي يليه. أي أن الدور هو عدد الأجزاء التي يتكون منها البيت عند ابن سناء. بل الدور هو البيت مع القفل الذي يليه كما جاء في المستطرف.
– الأغصان هي أجزاء الأقفال عند المحدثين والأسماط أجزاء الأبيات. وفي رأينا، السمط هو مجموعة الأجزاء المفردة. والغصن الجزء الواحد المركب.
8 – الأزجال الأندلسية:
– يبنى الزجل على منوال الموشحات، لكن بلغة غير معربة، أو مزنمة. والتزنيم في الزجل هو تسريب الألفاظ العجمية إلى الأبيات والأقفال.
– يتكون القفل في الزجل من جزأين أو جزء واحد.
– ويتكون المطلع في الغالب من جزأين والأقفال من جزء واحد.
– الخرجة في الزجل قد تكون مستعارة وفصيحة اللغة.
– لا يختلف نظام المقطوعات الزجلية عن الموشحات.
9 – التأثير والتأثر:
– الموشحات والأزجال من الفنون الشعرية التي ظهرت لأول مرة في الأندلس.
– وهي عربية الأصل ولا تمت بصلة إلى مصادر أجنبية كما يزعم بعض الدارسين الأوروبيين.
– فالألفاظ العجمية التي تتخلل الموشحة أو الزجل لا علاقة لها بقصائد إسبانية، بل هي مأخوذة من كلام عامة الأندلس.
– ومن جهة أخرى، فإن الموشحات والأزجال هي التي أثرت في الشعر الأوروبي في القرون الوسطى، وكان شعراء التروبادور أول من اتصل بالأندلسيين وتأثر بطريقتهم في النظم.
– وبعد رواج شعر التروبادور تأثر به أغلب شعراء أوروبا الغربية.
– وأبرز ما أخذه الأوروبيين من الشعر العربي عامة والأندلسي خاصة، نظام القافية ومواضيع الغزل وقضايا المرأة.

***

* – الصورة الفنية:
– يعبر الكاتب عن أفكاره بالصور الأسلوبية مستخدما المحسنات البديعية والبيانية في الجُمل التي يسوقها، وذلك من أجل استمالة القارئ.
– لكن نادرا ما يتناول الباحث المقارن تبادل التأثير في الأسلوب، لأن الأسلوب من خصائص اللغة الوطنية ومقوماتها. وهو أيضا يمثل شخصية الكاتب.
– ومع ذلك، فالأسلوب يعبر عن صورة فنية قد تتشابه أحيانا مع نظائرها في الآداب الأخرى. هذه التعبيرات التي قد تشارك فيها بعض اللغات قد تكون مجالا للتأثير والتأثر.
– والكاتب عندما يقتبس الجنس الأدبي من مصادر أجنبية، قد يتأثر فيما يصور من مشاعر وأفكار. كما يتأثر بالكلمات وصور البيان التي تخص ذلك الجنس الأدبي.
– وقد يحافظ الكاتب على أصالته كما يظهر طابعه الخاص في عمله الأدبي. وقد يخضع أيضا فيما يكتب لقوانين لغته وخصائصها. ومن هنا تصعب المقارنة بين أسلوبه وصور الجنس الأدبي الذي نسج على منواله.
– لقد تأثر شعراء أوروبا الغربية بالصور والأساليب التي استخدمها شعراء التروبادور للتعبير عن عاطفة الحب في القرون الوسطى.
– وقد تأثر شعراء التروبادور في هذا الموضوع بالأدب الأندلسي.
– وبديلا عن الصورة الفنية يهتم الأدب المقارن بالصورة الأدبية، وتسمى أيضا الصورائية (imagologie)، وتتمثل في صورة الآخر في الأدب الوطني، أو صورة الأنا في الأدب الأجنبي.
– ويتصل بالصورائية أدب الرحلة بكل أنواعها، وأدب ما بعد الاستعمار. والصورة في هذا المجال، قد تكون مزيفة أو منقوصة كما قد تكون أيضا صادقة.

* – البريد الإلكتروني:
م. عباسة

***

د. محمد عباسة: محاضرات في الأدب المقارن، جامعة مستغانم 2008م.

***