اللهجات في الموشحات والأزجال الأندلسية

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم (الجزائر)

لقد نشأ الشعر العربي في القرن الرابع للميلاد ولم يصل إلينا إلا ما يعود إلى القرن السادس الميلادي. ولانعدام النصوص يصعب علينا تتبع المراحل التي مر بها الشعر العربي قبل عصر امرئ القيس والمهلهل. غير أننا نستطيع أن نحدد الفترة التي يمكن أن تكون بداية لهذا الشعر باللغة التي نظم بها، وذلك عن طريق دراسة مراحل تطور اللغة العربية. ولذلك، فإننا نعتقد أن الشعر ظهر أولا في اللهجات العربية بفترة طويلة قبل أن ينتقل إلى اللغة الفصحى.
إن القبائل العربية الشمالية لما اصطلحت فيما بينها على لغة أدبية فصحى، لجأ إليها الشعراء الجنوبيون ينظمون بها قصائدهم لاعتقادهم أنها اللغة الرسمية في ذلك الوقت، حتى اختفت جملة خصائص لهجاتهم المألوفة ولم تتضح في شعرهم إلا قليلا. ولقد ساعدت ظروف دينية وعوامل سياسية واقتصادية على أن تسود لهجة قريش خلال القرن السادس الميلادي وأن تصبح لغة الشعر مهما اختلفت لهجات الشعراء.
بدأت تتضح معالم اللغة الفصحى منذ القرن الرابع الميلادي، أي بعد ظهور آخر النقوش للغات العربية الأخرى. وخلال القرن الخامس الميلادي بدأت تتحدد هذه المعالم وتقترب من اللهجة الفصحى حتى أصبحت تعم ربوعا كثيرة من الجزيرة العربية. وعند انتشار الشعر الجاهلي في بداية القرن السادس الميلادي أصبحت كل القبائل العربية تفهم اللغة الفصحى.
لقد ظهر الشعر داخل القبيلة على شكل مقطوعات قصيرة، واستمر ذلك إلى غاية نهاية القرن الخامس الميلادي، حيث انتقل الشعر في بداية القرن السادس الميلادي من اللهجات المحلية في جنوب الجزيرة إلى اللغة الفصحى العامة ومن المقطوعة إلى القصيدة. إلا أن الشعر العربي لم يعرف القافية في بداية الأمر، بل جاء مسجوعا قبل أن ينتقل إلى النظم، وهذا النوع من الشعر يسمى مرسلا. وقد ظل كذلك منذ نشأته في القرن الرابع الميلادي إلى غاية القرن السادس الميلادي حيث ظهرت القافية على يد الشعراء الذين وصلت إلينا بعض أشعارهم.
إن الشعر العربي أول نظم عرف القافية وكان أول مما وصل إلينا، القصائد الموحدة القافية. ومن المؤكد أن القافية ظهرت قبل شعراء القصيد، لأن بعض المقطوعات وصلت إلينا مقفاة. وهذا يعني أن المقطوعات التي سبقت القصائد يمكن أن تكون قد عرفت القافية ولو بفترة قصيرة قبل أن تظهر القصيدة في القرن السادس الميلادي.
1 – الموشحات:
ظل الشعر العربي في المشرق والمغرب على القافية الرتيبة حتى عصر الخلافة بالأندلس في القرن التاسع الميلادي حيث ظهر شعراء مجددون عملوا على تطوير الاتجاه الشعبي بحيث ظهرت بعض الألفاظ العامية موظفة شعريا في هذا العصر. وبعد انتشار الغناء الذي تطور بشكل كبير بعد الاختراعات الموسيقية التي ظهرت على يد زرياب، وكان من الطبيعي أن يتطور معه الشعر، نتج عن ذلك لون جديد يدعى فن التوشيح.
يبنى الموشح على المقطوعات الشعرية التي تنظم بصورة محكمة، وقد ظهر في الشعر العربي لأول مرة في بلاد الأندلس(1). تبدأ الموشحة بالمطلع وتختم بالخرجة، وهي القفل الأخير الذي لا يلتزم قواعد اللغة العربية. ومن خلال الخرجة التي كانت تنظم بالأعجمية أحيانا، استطاع الأوربيون في القرون الوسطى، أن يقتبسوا أكثر الأغراض التي وردت في الشعر العربي.
لكن ليس معنى ذلك أن الموشح لون قائم بذاته لا علاقة له بالشعر العربي، بل هو ضرب من ضروب الشعر العربي لا يختلف عن القصيدة التقليدية إلا في تعدد قوافيه وتنوع أوزانه أحيانا، وفي الخرجة التي يخرج بها الوشاح من الفصيح إلى العامي تارة، وتارة أخرى إلى العجمي، كما يختلف عنها أيضا في تسمية أجزائه. فالموشح الأندلسي يعد بذلك، ثورة على القصيدة التقليدية التي تلتزم وحدة الأوزان ورتابة القافية، وليس تمرداً على الشعر العربي في جملته وتفصيله.
فإذا كانت الموشحات قد ظهرت في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) حسب ما استقيناه من المصادر التي أرخت للأدب الأندلسي(2)، فإنه لم يصل إلينا منها إلا ما يعود إلى القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، أي ما أنتجه الشعراء على مدى قرن من الزمن قد ضاع. لقد كسدت الموشحات الأولى بسبب النقلة الذين سكتوا عن هذا الفن، لاعتقادهم أنها خارجة عن الأعاريض المألوفة. ولعل أقدم موشحات أندلسية وصلت إلينا هي لعبّادة بن ماء السماء (ت 422 هـ – 1030 م)(3). ولم تدون الموشحات الأندلسية إلا في القرن الحادي عشر الميلادي بعد وفاة عبادة بن ماء السماء الذي أورد له صاحب « الوفيات » موشحتين(4).
اتخذ فريق من الباحثين الأسبان موضوع اللهجات في الأندلس حُجّة لتغريب أصل الموشح، خاصة بعد اكتشاف بعض الخرجات العجمية في الموشحات. لقد ذهب هؤلاء الباحثون إلى أن الخرجات العجمية التي ذيلت بها بعض الموشحات الأندلسية ما هي إلا بقايا أغان إسبانية، والموشحات الأندلسية إنما نشأت تقليدا لهذه الأغاني(5). لكن هذا الزعم لم يتأكد بأدلة قاطعة. لأنه لم يثبت فيما إذا كانت الموشحات الأولى تحتوي على الخرجة أم لا. لأن الخرجة حسبما جاء في المصادر، تمثل مرحلة من مراحل تطور الموشح.
غير أن الخرجات لم تكتب كلها بالعجمية، وإنما أكثر الخرجات التي نظمها الوشاحون بهذه اللهجة تخللتها بعض الألفاظ العربية أو العامية. ثم إن وزنها العروضي ليس فيه شيء من العجمة، بل يبعد كثيرا عن أوزان الشعر الأوربي القديم التي خلطت بين النظامين المقطعي والمنبور، وعن الأغاني الشعبية الأسبانية التي يزعم أنها ظهرت قبل الموشحات.
إن وجود هذه الخرجات يُعد خروجا على اللغة التي نظمت بها الموشحة. فلما نظم الوشاح الأندلسي قطعته باللغة الفصحى، استحسن الخروج في آخر قفل عن اللغة الأصلية، فكتب الخرجة بالعامية أو العجمية أحيانا. وقد نظم بعض الشعراء اليهود موشحات عبرية ذات خرجات بالعربية وأخرى باللهجة الرومانسية، وذلك في القرن الحادي عشر الميلادي.
ولما نظم الوشاحون الخرجات بلهجات مخالفة للغة أقسام الموشح، كانوا يقصدون من وراء ذلك تتميز الخرجة عن بقية الأقفال في الموشحة. ولم يقتبس الوشّاحون أبياتا ولا أوزانا عجمية، كما أن مؤرخي الأدب الأندلسي القدامى لم يشيروا البتة إلى أن الوشاحين كانوا يأخذون الخرجات من أغنية عجمية. فقد جاء في « الذخيرة » أن الوشاح كان يأخذ اللفظ العامي والعجمي(6). وهذا يؤكد أن ما كان يعرفه الوشاحون هي الألفاظ العجمية وليست الأغاني. فالموشح إذن، هو أندلسي المنشأ وعربي الأصل، ولا يمتّ بأي صلة إلى مصادر أجنبية.
الخرجة هي عبارة عن القفل الأخير الذي تختم به الموشحة، وهي ركن أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في الموشحات بعكس المطلع الذي قد تبتدئ به الموشحة وقد تخلو منه. وقد تتميز الخرجة عن الأقفال من حيث اللغة، لأنها القفل الوحيد من الموشحة الذي يجوز فيه اللحن.
ويجوز أن تكون الخرجة في الموشحة عجمية اللغة، ولا يشترط أن تكون ألفاظ الخرجة كلها عجمية، بل تكون أيضا مزيجا من ألفاظ عربية وعجمية أو عامية وعجمية، وهو الأغلب في الموشحات. كما أنه ينبغي على العجمية أو العامية أن تستخدم في الخرجة فقط، فإذا تسربت هذه الألفاظ إلى الأجزاء الأخرى من الموشح، سمي موشحا مزنما لا ينظمه إلا الضعفاء(7).
رغم الازدواج اللغوي والعناصر البشرية المختلفة، فإن الشعر الأندلسي لم ينحرف عن نظيره المشرقي من حيث اللغة باستثناء الموشحات. ولغة الموشحات ليست لغة متميزة، وإنما هي اللغة العربية التي نظم بها الشعر. أما الخرجة التي كتبت بالعجمية تارة وبالعامية تارة أخرى فهي تظرف استحسنه الوشاح لِما في ذلك من متعة يتذوقها الناس. ولم تكتب كل الخرجات بالعجمية سوى بعض منها، واقتصرت العجمية في الموشح على الخرجة فقط، أو على جزء منها، ولم تصل إلينا موشحة واحدة تخللتها ألفاظ عجمية. فلغة الموشح إذن هي العربية.
ومن الخرجات التي نظمها الوشاحون الأندلسيون باللغة العجمية، قول يحي
السرقسطي الجزار في خاتمة موشحة له(8):

بئس ما رام الرقيب وما سعى
كلما يبدو الحبيب بدا مع
قلما أشدو نجيب من ودّع
كذا أمي فلمولي البين إب
كذل ميت طاري سرّ الرقيب

وقال أيضا ابن بقي الطليطلي في الخرجة من موشحة له(9):

إذا الليل جن *** أكاد لحزني به أجن
وأثني الشجن *** والكربة عني ببنت دن
واسأل من *** عندي أن يغني على اللسن
ميجالس كري *** مي مرت لطري
عارف كل شيء *** أنون شيو نادا بالله كفري؟

ومعنى الخرجة:

الحسود مثل الملك *** إنه يريد موتي
كل الناس تعرف *** وأنا لا أعلم بالله ماذا أفعل؟

أما أكثر الخرجات التي ابتعدت عن الفصحى، فقد نظمها أصحابها بالعامية. والعامية لا يجوز أن تتسرب إلى الأجزاء الأخرى في الموشحة، وإلا أصبح الموشح مزنما، كما سبقت الإشارة إليه. وهذا يدل على أن الموشحة نظمت في بداية الأمر كلها بالفصحى، ولما لجأ بعض الشعراء إلى تقليد فحول التوشيح وقعوا في التزنيم. وهذا الانحراف عدّه بعض المستشرقين اللبنة الأولى في تكوين الموشح بغية إرجاع مصدره إلى عناصر غير عربية.
ومن أمثلة الخرجة العامية قول أبي القاسم المنيشي في الخرجة رغم خوف الرقيب(10):

حزت يا أبي حسن حسن
لم تكن لتحجبه عن
ولذاك يشدوك من غنى
الحبيب حجب عني في دار
ونريد نسأل عنو جار
ونخاف رقيب الحب
واش نعمل يا رب؟

كما نظم الوشاحون الأندلسيون الخرجات بلهجات مختلفة، كالبربرية مثلا، ومن ذلك قول الأعمى التطيلي في الخرجة من موشحة له(11):

كشفت القناعا *** مستوهبا منه قبله
فاستحيا امتناعا *** أظنها منه خجله
فقلت انخضاعا *** ما قال قيس لعبله:
أما أنا حبيبي *** نطيش من غرشوني
شيم غين رشاها *** ألا نغرش منوني

في هذه الخرجة خاطب قيس محبوبته بلفظ حبيبي، لكن الوشاح جعل على لسانه لغة غريبة حتى لا يفهم الآخرون ماذا يدور بينهما. وقد يحدث ذلك، كما هو الحال في هذه الموشحة، عندما يتعلق الأمر بتعبير قد يثير حساسية الغير.
2 – الأزجال:
وفي أواخر عصر الخلافة، اخترع الأندلسيون فنا آخر، يدعى الزجل. لقد نظموا الزجل بلغة مجردة من الإعراب ومزدحمة بالكلمات التي هي من أصل محلي أو بربري. وكل ذلك ظهر بسبب التعدد الثقافي الذي عرفته الأندلس، واختلاط الشعوب الأندلسية ببعضها. الأمر الذي أدى إلى هذا التنويع الثقافي ضمن هذه اللغة والأدب الواحد.
والزجل في الاصطلاح، ضرب من ضروب النظم يختلف عن القصيدة من حيث الإعراب والتقفية كما يختلف عن الموشح من حيث الإعراب، ولا يختلف عنه من جانب التقفية إلا نادرا. يعد الزجل بهذه الصورة موشحا ملحونا إلا أنه ليس من الشعر الملحون. وقد كتِب بلغة ليست عامية بحتة بل هي مهذبة وإن كانت غير معربة.
يمثل الزجل الفن الثاني المستحدث في الأندلس بعد الموشح، وقد تباينت آراء المؤرخين القدامى في نشأة هذا الفن، ولو أنهم يتفقون على أن الزجل وليد البيئة الأندلسية، ومنها خرج إلى الديار المغربية والمشرقية وانتشر فيها. وقد ظهر الزجل بعد الموشح إلا أن بعض الباحثين من عرب ومستشرقين يرون عكس ذلك(12).
إن الذين يرون أن الزجل سابق للموشح، انطلقوا من نص ابن بسام حول الموشحات الأندلسية القائل بأن محمد بن محمود القبري « كان يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز، ويضع عليه الموشحة »(13)، معتقدين في ذلك بأن هذه الألفاظ وجدت في قصائد عامية، وأن الموشح يُعد تطورا لهذه القصائد. ولم يكن لهم دليل قاطع فيما يذهبون، لأن القبري لم يأخذ بيتا من الأبيات وإنما كان يأخذ اللفظ من اللغة لا من القصائد، حسبما ورد في « الذخيرة ». ولعل مما ساعد على نشأة الزجل في الأندلس ما كان من شيوع الموشحات بين العامة والخاصة.
وقد اتفق مؤرخو الأدب الأندلسي على أن الموشح أسبق من الزجل، ومنهم ابن خلدون الذي قال: « ولما شاع التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته، وتنميق كلامه، وتصريع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيه إعرابا، واستحدثوا فنا سمّوه الزجل والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد، فجاءوا فيه بالغرائب، واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة »(14). ويتضح من كلام العلامة ابن خلدون أن الزجل الأندلسي نشأ تقليدا للموشح.
غير أنه لا يمكن الاعتقاد أن شعراء من العامة لما عجزوا عن نظم الموشح، نظموا فنا آخر بعامية أهل الأندلس وسمّوه الزجل، لأن الذين أنشأوا الزجل لأول مرة، هم المثقفون الذين كانوا ينظمون القصائد الفصيحة، والذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى وليس العامة. وكان لاختراع هذا النظم تلبية لحاجة العامة في القول الرفيع والغناء المنسجم.
إن عامية أهل الأندلس كانت بعيدة بعدا شديدا عن اللغة الفصحى، لاتصالها بلهجات متعددة غير عربية من جهة، واختلاف أصول الأندلسيين من جهة أخرى. لأنه لو كانت لغة الزجل الأندلسي هي لغة العامة نفسها، لمَا انتشرت أزجال الأندلسيين في العراق وبلاد الشام واستعذبها المشارقة ونسجوا على منوالها.
وقد ذهب صفي الدين الحلي إلى أن: « أول ما نظموا الأزجال جعلوها قصائد مقصدة وأبياتا مجردة في أبحر عروض العرب بقافية واحدة كالقريض لا يغايره بغير اللحن العامي، وسمّوها القصائد الزجلية »(15). وقد عدّ صفي الدين الحلي للشيخ ابن عبد الله مدغليس زجال الموحدين في الأندلس، ثلاثة عشرة قصيدة من هذا القبيل.
إن ما يلاحظ من خلال هذا الكلام هو أن صفي الدين الحلي لم يكن يعلم أن هذا النوع من الشعر الذي لا يختلف عن القصيدة إلا من حيث اللحن، يسمى عند المغاربة الشعر الملحون وهو من نسج العوام. لذا لا يمكن أن نسمّي كل ما حاد عن الإعراب زجلا. أما القصائد الزجلية التي ذكرها صفي الدين الحلي فقد ظهرت في مرحلة من مراحل تطوّر الزجل، لأنه لا يمكن أن نعد مدغليس الذي جاء بعد أبي بكر بن قزمان من منشئي الزجل.
أما الزجالون الأندلسيون الأوائل فقد ظهروا في أواخر القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، غير أن أزجالهم كسدت ولم تحظ باعتراف المؤرخين القدامى، شأنها في ذلك شأن الموشحات في بداياتها، فنسيت أسماؤهم بعدما ظن المؤرخون أن هذا النوع من الفن هو من الموشحات الملحونة، لأنهم كانوا يعرضون عن تدوينه.
لم يصل إلينا من زجل المتقدمين إلا ما يعود إلى القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وهو زمن ملوك الطوائف، فكان الزجل في هذا العصر قد اتضحت معالمه الفنية، أما الأزجال الأولى فقد كسدت ووقع لها ما وقع للموشحات في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. وفي القرن الثاني عشر الميلادي ازدهر فن الزجل بسبب تذوق المرابطين لهذا النوع من الشعر وليس لنفورهم من اللغة الفصحى كما ذهب بعض الباحثين العرب(16).
مر الزجل الأندلسي بأطوار لغوية مختلفة، فكان الطور الأول اللغة الفصحى غير المعربة، وكان الزجل في ذلك الوقت، من اختصاص الطبقات المثقفة التي نسجته على منوال الموشحات. ثم بدأت تتسرب إليه عناصر اللهجة الأندلسية حسبما تقتضيه ضرورة الوزن والغناء عند أهل الأندلس، ومع ذلك لم يستطع الزجالون الأولون التخلص من الإعراب إلى أن جاء إمام الزجالين أبو بكر بن قزمان (ت 554 هـ – 1160 م)، الذي مهّد الطريق في ديوانه إلى العناصر اللغوية العامية التي غزت اللغة الرفيعة في الزجل وقد أشار إلى ذلك في ديوانه(17).
أما الحموي فيرى أن ابن قزمان « قال ذلك نهيا عن تقصد الإعراب وتتبعه والاستكثار منه لئلا يغلب على معظم أزجالهم »(18). فابن قزمان لم ينهِ عن الإعراب مطلقا، بل سوء فهم كلامه هو الذي جعل صفي الدين الحلي يعتقد أن الإعراب لا يجوز في الزجل لخلطه بين الشعر غير المعرب والشعر الملحون العامي.
وعلى هذا النحو، لا تعتبر القصائد العامية أزجالاً حتى وإن كانت مقطعية الشكل، لأنه ليس كل ما هو غير معرب زجلا، فهناك لغة مجردة من الإعراب لها قواعد مطردة، وهي قريبة جدا من الفصحى، وهناك لغة عامية ليس فيها شيء من الاطراد إلا التغير، يختلـف نطقها من جهة إلى أخرى، والزجل نهجَ اللغة الأولى حتى لا يتغير لفظه ونطقه عبر الزمن.
ولغة الزجل تتألف من هذه اللغة غير المعربة بالإضافة إلى عناصر لغوية أندلسية اختلطت فيها لهجات شمال إفريقيا مع لسان الوافدين من المشارقة والعناصر المحلية الموَلدة والمبتكرة التي يبيحها الزجال في نظمه. أما الذين نظموا الزجل فهم من الشعراء المثقفين الذين لجأوا إلى هذه العناصر وهذبوها، لأنه لا يمكن لأي أحد كان أن يقول زجلا، فهذا الفن يخضع للوزن والقافية.
ولم تسلم الأزجال من التزنيم، فقد جاء التزنيم في الزجل كما جاء أيضا في الموشح، وهو اللحن في الموشح والإعراب في الزجل. وقد أنكر ابن قزمان التزنيم على متقدميه(19). والتزنيم حسب اعتقادنا، ثلاثة أنواع، فهناك من يزنم رغبة في التزنيم ومذهبا فيه، وهناك التزنيم الناتج عن ضعف الناظم، فتكون أزجاله عرضة للانتقاد. وأخيرا، التزنيم الذي تقتضيه ضرورة قواعد النظم في الموشح والزجل كما سبقت الإشارة إليه.
ويجب أن نشير أيضا إلى أن الزجالة لم يولوا اهتماما لعجمية أهل الأندلس. فلا نجد من اللهجة الرومانسية إلا بعض الألفاظ، متناثرة في أثناء أزجال الإمام ابن قزمان، وما جاء على لسان العجم والعجميات في أزجال الحوار. ولم نجد خرجة عجمية في الزجل كما هو الشأن في بعض الموشحات، ذلك لأن لغة الزجل غير معربة، فيلجأ الزجال إلى الفصيح بدلا من الألفاظ العجمية، أو إلى التحايل، كأن يمهد للخرجة بألفاظ تدل على أن الزجل قد أوشك على النهاية.
لقد استخدم الإمام أبو بكر بن قزمان في أزجاله بعض المقطوعات بالعجمية. ومن المؤكد أنه ورث هذه الطريقة عن الوشاحين الذين كانوا يستعملون العجمية في خرجات موشحاتهم. فمن ذلك يقول الإمام من زجل له(20):

يا مُطرْ نَنْ شِلبَاط
تنْ حزينْ تنْ بَنَاط
ترا اليوم واشطاط
لم نذق فيه غير لقيمهْ

وقال أيضا في الخرجة من زجل له(21):

نمضي إن شاء الله من سرور لسرور
والسعاد بشاشتْ إذ مطور
وعدوك يذاق فشوال طلور
لعن الله من لا يقول نعم

لقد استخدم أبو بكر بن قزمان في هذه المقطوعة لفظة « إذ ماطور » (d’amator)، وهي عجمية بمعنى « للعاشق »، كما استخدم أيضا – وهو يتوعد الفقيه بعد شهر رمضان – لفظة « طلور » (dolor)، وهي عجمية بمعنى « الألم ».
أما المستشرقون فقد أولوا اهتماما بالغا للأزجال الأندلسية وبالأخص ديوان ابن قزمان، وزعموا أن أزجال الإمام تمثلُ ذروة الشعر العربي وواقع المجتمع الإسلامي، إذ ركزوا بحوثهم على الألفاظ العجمية التي استخدمها ابن قزمان في أثناء أزجاله، وقد زعموا أن الزجال الأندلسي نظم بعض الخرجات الزجلية باللغة العجمية.
لكن خرجات الزجل لم تكتب بالرومانسية كما يذهب هؤلاء المستشرقون، وإنما وُجدتْ بعض الألفاظ في ثنايا أزجال ابن قزمان لا علاقة لها بالوزن أو الموسيقى أو القافية، وهي ألفاظ تعوّد الأندلسيون على استخدامها في حديثهم اليومي مع أفراد النصارى. ولم نجد ألفاظا عجمية عند الزجالة الذين تقدموا الإمام ابن قزمان أو عاصروه أو خلفوه، فيما وصل إلينا من أزجالهم.
أما العناصر التي يتكون منها الزجل فهي العناصر نفسها التي سبق إليها الوشاحون شكلا واصطلاحا في موشحاتهم، وهي المطلع والبيت والقفل والخرجة. وغالبا ما تكون الخرجة في الزجل بلغة فصيحة حسب ما وصل إلينا من أزجال، لأن الزجل ينظم بلغة غير معربة أو ما يشبهها، ولا بد من تمييز الخرجة منه، ولذلك يلجأ الزجال إلى نظمها بالفصحى.
وإلى جانب الألفاظ العجمية المتناثرة في أجزاء الأزجال، استخدم ابن قزمان أيضا بعض الأشطار تكاد تكون كلها عجمية أحيانا، أو تشاركها ألفاظ عربية وأندلسية محلية. كأن يصور في زجل من أزجاله، حوارا بينه وبين رومية، يسائلها بالعربية فتجيبه بالعجمية(22). وكان أبو بكر بن قزمان يستعذب بعض الألفاظ العجمية في أزجاله. ومثل هذا الحوار أوهَمَ بعض المستشرقين بأن الزجالين أخذوا مقطوعات من أغان عجمية، وبنوا عليها أزجالهم.
وبعد، يمكن القول إن لغة الزجل هي تلك اللغة التي يفهمها فئة واسعة من المجتمع، وهي لغة مهذبة سادت الزجل منذ نشأته إلى غاية القرن الثاني عشر الميلادي، وهو بداية ازدهار الزجل الذي كان في الحقيقة بداية انحطاط مذهبه ولغته حتى ظن أحد المستشرقين أن الأزجال الأندلسية نظمت للشارع(23). وقد أولى المستشرقون هذه الجوانب اهتماما بالغا، أما قيمة الزجل الحقيقية، فلم يتطرقوا إليها كما تقتضيه الحقيقة.
ورغم انتشار الشعر الشعبي في ذلك العصر إلا أن هذا لم يحد من انتشار العلم والمعرفة في أوساط المفكرين من علماء الإسلام، بل إن عصر المرابطين والموحدين هو العصر الذي عرف تجدد الفكر العربي الإسلامي على يد الفلاسفة الكبار أمثال ابن رشد وابن طفيل وغيرهما من جهابذة الإسلام. وبفضل هؤلاء، انتقلت زبدة المعارف العربية الإسلامية من الجنوب إلى الشمال وقد استفاد منها الأوربيون في بناء حضارتهم الحديثة.
3 – تأثير الموشحات والأزجال:
استخدم الشعراء التروبادور (les troubadours) في القرون الوسطى، إلى جانب لغتهم الأوكسيتانية (la langue d’oc)، مفردات أجنبية في شعرهم، منها ما يعود أصله إلى اللهجات الإيبيرية واللغة العربية ولغات رومانية أخرى. جاءت هذه المفردات متناثرة في أثناء قصائدهم على غرار ما ذهب إليه الأندلسيون في موشحاتهم وأزجالهم إذ كانوا يستخدمون أحيانا اللفظ العامي والعجمي في نظمهم.
ومن الشعراء من استعمل مقطوعة برمتها بلغة أجنبية، وكان أول من ذهب في هذا المذهب من البروفنسيين التروبادور الأول غيوم التاسع كونت بواتيه (Guillaume IX) (1074 م – 1127 م) الذي أدخل ضمن مقطوعات قصيدته، مقطوعة كاملة صَعُبَ على الدارسين الأوربيين تفسير معناها وتبيان أصلها اللغوي(24):

Mais que lur dis aital lati :
Tarrababart
Marrababelio riben,
Saramahart.

يجمع الباحثون المحدثون على أن لغة هذه المقطوعة ما هي إلا لغة عربية محرّفة. لقد عاش غيوم التاسع وسط عدد من الجواري العربيات اللائي أسرهن أبوه غيوم الثامن الذي قاد الحملة الصليبية على الحاضرة الإسلامية الأندلسية بربشتر سنة (456 هـ – 1064 م). لذا، نعتقد أن التروبادور الأول كان يعرف العربية.
استعمال العجمية عند الشعراء الأندلسيين جاء لدواع مختلفة منها الثقافية والاجتماعية، وقد تستعمل العجمية لإخفاء الأسرار عن الآخرين كما فعل السرقسطي في الخرجة لما كتم السر عن الرقيب. أما البروفنسيون فقد استعملوا الألفاظ الأجنبية عن لغتهم تقليدا للأندلسيين، لأنهم كانوا على علم بالخرجات الأندلسية التي تأثروا بها في مواضيع شتى لسهولة فهمها لديهم.
إن شعراء اللغة الأوكسيتانية ذهبوا إلى أبعد من ذلك، عندما نظموا القصائد بأكثر من لغة أجنبية. لقد نظم رامبو دي فاكيرا (Raimbaut de Vaqueiras) قصيدة بلغات مختلفة، منها الأوكسيتانية والإيطالية والفرنسية والغسكونية والجليقية والبرتغالية(25). والذي ساعدهم في إتقان هذه اللغات هو كون بعضهم ترجع أصولهم إلى أمم أخرى غير الأمة البروفنسية.
وفي الشعر الأوكسيتاني الذي نظمه الشعراء التروبادور في جنوب فرنسا في القرون الوسطى أشكال وموضوعات كالحب الفروسي والحبيبة المجهولة والفجريات وغيرها، تأثر فيها هؤلاء البروفنسيون بالشعر العربي وبالخصوص الموشحات والأزجال.
وفي الختام، ينبغي القول إن اللهجة أو اللغة غير المعربة لم تكن عائقا في وجه العلوم طالما ظلت اللغة الفصحى تحظى بالاهتمام والاحترام من قبل السلطة. وهذا عكس ما آلت إليه اللغة الفصحى في عصر الحكم العثماني عندما انحطت العلوم وانحط المجتمع الذي ساده الخرافات والبدع بسبب إهمال اللغة العربية، لغة العلم والتعلم والآداب الرفيعة، بل لغة القرآن الكريم ولغة الجنة. لذا لم نر منذ عصر ابن خلدون والمقري كتابا واحدا على الأقل يمكن عده من أمهات الكتب، بل حتى تراثنا الذي جادت به قريحة مفكري الإسلام، تعرفنا عليه في العصر الحديث بواسطة الأوربيين من مستشرقين ومستعربين.

الهوامش:
1 – انظر، ابن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت 1979، قسم 1، مج 1، ص 469. وعبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، طبعة كاترمير، باريس 1857، 3/391.
2 – ابن بسام: المصدر السابق، ص 469. وانظر أيضا، علي بن سعيد: المقتطف من أزاهير الطرف، مستلة من كتاب « أعمال مهرجان ابن خلدون »، القاهرة 1962، ص 477.
3 – له كتاب في أخبار الأندلس لكنه لم يصل إلينا. انظر، أحمد الضبي: بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، دار الكتاب العربي، مصر 1967، ص 396.
4 – ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، بيروت 1974، الجزء الأول، ص 426.
5 – آنخل جنثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، تحقيق د. حسين مؤنس، القاهرة 1955، ص 142 وما بعدها.
6 – ابن بسام: المصدر السابق، ص 469.
7 – صفي الدين الحلي: العاطل الحالي والمرخص الغالي، تحقيق ولهلم هونرباخ، مطبعة فرانتز شتاينر، فيسبادن 1955، ص 10.
8 – لسان الدين بن الخطيب: جيش التوشيح، تحقيق هلال ناجي، مطبعة المنار، تونس 1966، ص 155.
9 – عدنان آل طعمة: موشحات ابن بقي الطليطلي وخصائصها الفنية، بغداد 1979، ص 210.
10 – لسان الدين بن الخطيب: المصدر السابق، ص 111.
11 – الأعمى التطيلي: الديوان، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت 1963، ص 289.
12 – أ – ج. بالنثيا: المصدر السابق، ص 143. انظر أيضا، د. شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف، الطبعة السابعة، القاهرة 1969، ص 454.
13 – ابن بسام: المصدر السابق، ص 469.
14 – ابن خلدون: المصدر السابق، 3/404.
15 – صفي الدين الحلي: المصدر السابق، ص 17 وما بعدها.
16 – عبد العزيز الأهواني: الزجل في الأندلس القاهرة 1967، ص 55. وانظر أيضا، عبد العزيز عتيق: الأدب العربي في الأندلس، الطبعة الثانية، بيروت 1976، ص 98.
17 – ابن قزمان: الديوان، حققه فيدريكو كورينطي، المعهد الأسباني العربي للثقافة، مدريد 1980، ص 1.
18 – ابن حجة الحموي: بلوغ الأمل في فن الزجل، تحقيق رضا محسن القريشي، دمشق 1974، ص 60.
19 – ابن قزمان: المصدر السابق، ص 1.
20 – المصدر نفسه، زجل (10)، ص 78.
21 – المصدر نفسه، زجل (9)، ص 76.
22 – المصدر نفسه، زجل (84)، ص 542.
23 – إيميليو غرسيا غومث: مع شعراء الأندلس والمتنبي، ترجمة د. الطاهر أحمد مكي، دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة 1978، ص 163.

24 – Alfred Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, Ed. Champion, 2e éd., Paris 1972, p. 35.
25 – Pierre Bec : Anthologie des Troubadours, Coll. 10/18, U.G.E., Paris 1979, p. 254.

المصدر:
نشر هذا المقال في المجلات التالية:
– مجلة « حوليات التراث »، العدد التاسع، سنة 2009، جامعة مستغانم، الجزائر.
– مجلة « إنسانيات »، العدد 17/18، سنة 2002، مركز البحث في الأنتروبولوجية الاجتماعية والثقافية، وهران، الجزائر.
د. محمد عباسة