العلاقات الثقافية بين العرب والفرنجة

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم (الجزائر)

تعد العلاقات الثقافية بين الشعوب من العوامل التي تؤدي إلى التأثير والتأثر في شتى الميادين الفكرية والثقافية. وكان لاتصال الأوربيين بالعرب في المشرق والأندلس أثره البالغ في تطوير الفكر في أوربا. بدأ الأوربيون الذين كانوا يعيشون في عصور مظلمة، يهتمون بثقافة العرب وعلومهم منذ منتصف القرون الوسطى. وأهم ما لجأوا إليه، هو تعلم اللغة العربية، والتردد على مدارس المسلمين بالأندلس لأخذ العلم على شيوخها، وترجمة المعارف العربية الإسلامية من اللغة العربية إلى مختلف اللغات الأوربية. وقد قام كل من العلماء النصارى والمسلمين واليهود، الذين وظفهم الحكام الإفرنج، بدور فعال في نقل علوم العرب إلى البلدان الأوربية.
حاولنا من خلال بحثنا هذا تسليط الضوء على العوامل الرئيسية التي مكنت العلماء الأوربيين، في القرون الوسطى، من الاتصال بثقافة العرب ونشرها في البلدان الأوربية. هذه العوامل كانت من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تطوير الفكر الأوربي. يكمن هذا التأثير خاصة في الفلسفة والأدب، وكان التروبادور الأوكسيتانيون أول من أدخل خصائص الشعر العربي من موضوعات وأشكال، في الشعر الأوربي في بداية القرن الثاني عشر من الميلاد.
العلاقات الثقافية بين العرب والأوربيين متشعبة وترجع إلى بداية الإسلام عند لقاء الملتين أثناء الحروب والمناسبات الأخرى. غير أن التبادل الثقافي بينهما ازدهر بشكل متميز في الأندلس وأثناء الحروب الصليبية في المشرق. وكان من أبرز عوامل هذا التفاعل الثقافي، انتشار اللغة العربية عند الدارسين الأوربيين والمستعربة الأسبان، واطلاع المفكرين الأوربيين على الثقافة العربية الإسلامية، وإقبالهم على ترجمة معارف العرب من اللغة العربية إلى لغاتهم اللاتينية.
لقد انتشرت اللغة العربية في الأندلس منذ استقرار العرب في شبه الجزيرة الأيبيرية. وكان السكان الأصليون قد اتخذوا لغة القرآن للتفاهم والتعامل فيما بينهم، بل فضلها بعضهم على لغته الأصلية. لقد قام هؤلاء المستعربة الذين كانوا يتقنون لغة العرب، بدور الوسيط في نقل الكثير من بذور الحضارة العربية الإسلامية إلى الممالك الشمالية(1). وكانوا يتنقلون بين الأندلس والمناطق الشمالية المسيحية(2). كما كان بعضهم ينظم الشعر باللغة العربية(3).
ولم تنحصر اللغة العربية في المناطق الأندلسية ذات السيادة الإسلامية، بل انتشرت كذلك في ليون (Léon) وقشتالة (Castilla) ونفارا (Navarra) وغيرها من المناطق الإسبانية، وتحدث بها النصارى(4). ولما استولى النصارى بقيادة ألفونسو السادس على طليطلة (Toledo)، المدينة التي ضمت في قصورها شعراء العرب والإفرنج، بقيت اللغة العربية لعدة قرون تستخدم في المجال الإداري وفي الحياة اليومية(5). وكان أمراء الشمال المسيحي يتعلمون العربية لاستخدامها في التعامل مع المسلمين. ومن أبرز هؤلاء الأمراء، بدرو الأول ملك أراغون (Aragon) الذي كان يوقع على الوثائق باللغة العربية(6). أما ألفونسو العاشر (ت 683 هـ – 1284 م) فكان ينظم الشعر باللغة العربية ويرعى الشعراء الأسبان والإفرنج والعرب.
أما الفلاسفة والمفكرون الأوربيون، في القرون الوسطى، فكان تعلم اللغة العربية عندهم شرطا من شروط المعرفة. لقد كان الفيلسوف الأسباني المتصوف رايموندو لوليو (Raimondo Lulio) (ت 715 هـ – 1315 م) « يكتب العربية كما يكتب لغته الكتالونية، وأنه كان يستعملها في مجادلاته مع المسلمين وفي التبشير في بلاد المغرب، وقد كتب بعض مؤلفاته بالعربية أولا، ثم ترجمها بنفسه إلى الكتالونية، ثم نقلت إلى اللغات الأوربية الأخرى »(7). وقد تأثر هذا الرجل في فلسفته بالمتصوفة المسلمين الأندلسيين والمغاربة. وكان القس الدومينيكي الكتالوني رايموندو مارتين (Raimondo Martín) (ت 685 هـ – 1286 م)، قد تعلم اللغة العربية خصيصا لمجادلة المسلمين(8).
وفي جزيرة صقلية كان الأمراء النورمان يتحدثون باللغة العربية وجعلوها لغة القصر إلى جانب لغتهم الأصلية. لقد كان غيوم الأول بن روجار الثاني (ت 562 هـ – 1166 م) يفضل الشعر العربي ويرعى الشعراء العرب. وأكد الرحالة ابن جبير (ت 614 هـ – 1217 م) بأن غيوم الثاني كان يتكلم العربية ويكتبها، وكانت حاشيته كلها من العرب المسلمين(9). وكان يكافئ الشعراء ذهبا على مدحهم له، كما فعل مع الشاعر ابن قلاقس الأسكندراني(10). أما فريدريك الثاني، فهو من أشهر أمراء النورمان الذين كانوا يتقنون اللغة العربية ويؤلفون بها.
ولم تنحصر اللغة العربية في الأراضي الأسبانية فقط، بل بلغت مشارف جبال البرانس ومنطقة البروفنس بحيث تأثر بها التروبادور (Troubadours) في لغتهم الشعرية. وكان من الطبيعي أن يتأثر هؤلاء الشعراء الجوالون بثقافة العرب نظرا لروابطهم الاجتماعية والثقافية بشمال أسبانيا وخضوع شعوب هذه المناطق، في حقبة معينة، لسلطان المسلمين(11). وقد نجد أسماء عربية في أشعار التروبادور ينطقونها سليمة من الشوائب كما لو أنها من أسمائهم. لقد ذهب سيديو (Sédillot) إلى « أن اللهجات السائدة لولايات أوفرن وولاية ليموزي الفرنسيتين محشوة بالكلمات العربية، وأن أسماء الأعلام فيها ذات مسحة عربية »(12). أما المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون فهو يذهب إلى أن الأثر العربي في اللغة الأوكسيتانية في جنوب فرنسا، واضح ولا يحتاج إلى أدنى شك(13).
لقد اشتهر العرب في العصور الوسطى بالقراءة وجمع الكتب وإنشاء المكتبات، وكانت الكتب العربية تحفظ في قصور الأمراء والقضاة والوزراء وغيرهم من رجال الدولة وخزانات المؤرخين والفلاسفة والمفكرين والأدباء. وكان الحكم الثاني بن عبد الرحمن الناصر من أبرز الأمراء الذين اهتموا بجمع الكتب وتكوين المكتبات(14). كما اشتهرت عدة مدن أندلسية بمكتباتها الضخمة، ومن بينها مدينة قرطبة التي كان يؤمها الناس من كل أطراف البلاد ومن الممالك المجاورة. وذهب ترند إلى أن سكان الشمال الأسباني كانوا يسمعون بما هو أشبه بالدهشة والأحلام، عن تلك المدينة التي تحوي سبعين مكتبة، وكان حكام ليون أو نفارا أو برشلونة، إذا ما احتاجوا إلى شيء من ذلك، فلا يتجهون إلا إلى قرطبة(15).
كان للتسامح الديني في الأندلس أثره البالغ في توافد طلبة العلم على المدن الأندلسية من كل أنحاء أوربا وخاصة شمال أسبانيا وإيطاليا وفرنسا وإنكلترا، وذلك لتلقي العلوم العربية. لقد أكد فارمر على أن الطلاب الأوربيين كانوا يدرسون العلوم العربية مباشرة دون وساطة المترجمين(16). لأن عددا من الأوربيين في القرون الوسطى، كانوا يفهمون العربية. وذهب لويس يونغ (Lewis Young) إلى أن العلوم العربية قد انتقلت بصورة مبكرة في القرن العاشر الميلادي إلى شمال فرنسا وألمانيا(17)، وذلك بفضل المترجمين النصارى واليهود.
والجدير بالذكر، أن عددا من الدارسين والطلاب الأوربيين كانوا يحلون ببلاد الأندلس للدراسة وترجمة معارف العرب. ومنهم جربرت دورياك (ت 394 هـ – 1003 م) الذي أصبح بابا الروم في سنة (390 هـ – 999 م) باسم سلفستر الثاني (Sylvestre ii). وقد عمل جربرت على نشر علوم العرب في فرنسا على الرغم من معارضة الرهبان(18). وكان قد قدِم إلى كتالونيا وأمضى ثلاث سنوات في أسبانيا في دراسة العلوم(19). وتتلمذ في جامع قرطبة الذي كان يعد أكبر جامعة في أوربا يفد إليها الطلاب من كافة أنحاء العالم لتلقي العلوم والآداب والفنون.
إن الأوربيين في القرون الوسطى، كانوا واثقين من أن كل تقدم فكري أو ثقافي في بلادهم يجب أن يرجع إلى الاحتكاك بالمسلمين. ويلاحظ على رجالات الكنيسة الإفرنج المستقلين أنهم أولوا اهتماما خاصا بالثقافة العربية الإسلامية، وذلك على الرغم من عدائهم للمسلمين. فكانوا يترددون على طليطلة منذ القرن الحادي عشر للميلاد، وكان لذهابهم وإيابهم بالغ الأثر في تسهيل التبادل الثقافي بين الإفرنج في الشمال والمسلمين في الجنوب(20). ومنذ عهد الملك ألفونسو السادس، أصبحت طليطلة المركز الرئيس الذي تنتشر منه الثقافة العربية إلى كافة أنحاء أوربا(21).
فإذا كان الأوربيون لا يعرفون من فنون الرومان إلا القليل، فإنهم كانوا لا يعرفون شيئا مطلقا من فنون اليونان، في حين كان العرب المسلمون قد ترجموا الكثير من علوم الإغريق وفلسفتهم، وكان الأوربيون على علم بمعرفة العرب المسلمين لعلوم اليونان، فعكفوا على دراسة كتابات العرب، فاستفادوا من اليونان والعرب وآن واحد.
لقد وفد على المدن الأندلسية عدد من المفكرين الإيطاليين لطلب المعرفة. فالإيطالي برونيتو لاتيني أستاذ دانتي أليغييري، قد اتصل بمترجمي مدرسة طليطلة ومدرسة إشبيلية(22). وقد أكد أسين بلاثيوس (Asín Palacios) على أن تأثير الثقافة الإسلامية في كتابات دانتي قد تم بفضل برونيتو لاتيني (ت 694 هـ – 1294 م). ومن أهم من تتلمذوا على العرب، ليوناردو البيزي (Leonardo de Pisa) وأرنالدو البيلانوبي (Arnaldo de Villanova)، وغيرهما ممن تلقوا تعليمهم في الأندلس على يد العرب ونشروا معارفهم في أوربا(23).
لقد ازدهر التأليف عند العرب في القرون الوسطى نظرا لحرية التعليم، والترجمات التي قام بها علماء العرب في المشرق والمغرب. كما ترجم العرب مئات الكتب العلمية والفلسفية من اليونانية والسريانية والفارسية والهندية والقبطية. أما الأوربيون فكانوا لا يعرفون شيئا مطلقا من الفنون اليونانية، كما ذكرنا سالف، بل تعرفوا على ثقافة الإغريق وعلومهم عن طريق الترجمات العربية، ولم نعثر إلى اليوم على بعض النصوص اليونانية الأصلية.
بدأ الأوربيون يهتمون بالثقافة العربية الإسلامية منذ القرن الثامن الميلادي، وقد أولوا اللغة العربية عناية خاصة. وزاد اهتمامهم بحضارة العرب المسلمين عند احتكاكهم بالأندلسيين في القرن التاسع الميلادي. وفي القرن الحادي عشر الميلادي، عكف النصارى على ترجمة علوم العرب، وتحمسوا كثيرا إلى هذه الترجمة خاصة لما علموا أن العرب قد ترجموا في المشرق والمغرب، أغلب مؤلفات اليونان واقتبسوا من مناهل فكرهم. ولقيت هذه الترجمات ترحابا كبيرا لدى ملوك النصارى، وقد انتشرت في كافة أنحاء أوربا.
وينبغي أن نشير إلى أن الأوربيين قد اختلفت نواياهم عند ترجمتهم لكتب المسلمين باختلاف طبقاتهم ومراكزهم الاجتماعية. فالكنسيون كانوا يترجمون الكتب الإسلامية للرد على المسلمين ومجادلتهم، وكان رجال الدولة وضباط الجيش يهتمون بالجغرافية والتاريخ الإسلامي رغبة منهم في إخضاع الشعوب الإسلامية واستعمارها، أما بعض الطلاب والعلماء المستقلين فكانوا يهدفون من وراء شغفهم بعلوم العرب، إلى نشر معارف العرب المسلمين في أوربا والنهوض بمجتمعهم.
لقد عمل بعض المترجمين الأوربيين على عدم ذكر أسماء المؤلفين العرب بسبب الحقد الذي كانوا يكنونه للعرب المسلمين، فمنهم من وضع اسمه بدلا من اسم المؤلف العربي، أو أبقى على الكتاب المترجم مجهول المؤلف، ومنهم من تعمد تحوير اسم المؤلف العربي أو تغريب لفظه. أما بعض المترجمين الذين وظفتهم الكنيسة فقد عملوا على تحريف التعاليم الإسلامية وتحريض الأوربيين على معاداة الإسلام والمسلمين.
وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الأوربيين قد اعتمدوا طرائق شتى في نقل خصائص الحضارة العربية الإسلامية إلى العالم الغربي في القرون الوسطى؛ منها الترجمة الشفاهية التي قام بها علماء أوربا العائدين من الأندلس، إذ كانوا يملون على تلامذتهم ما تعلموه من بلاد المسلمين؛ ومنه أيضا حديث الفرسان العائدين من الحروب الصليبية ورواياتهم عما لاحظوه وتعلموه في بلاد الشرق، بالإضافة إلى الكتب التي ألفها العرب مباشرة باللاتينية في إيطاليا وشمال أسبانيا.
وقد جند الأوربيون لهذه الحملة عددا من المترجمين ينتمون إلى أقطار وطبقات مختلفة، وأنشأوا لذلك مدارس للترجمة وظفوا فيها النصارى من الأوربيين والشرقيين، كما وظفوا المسلمين المحترفين واستخدموا الأسرى والجواري. أما اليهود الذين كانوا يتقنون اللغات الشرقية والغربية، فيعدون من أهم الوسطاء الذين مرت بفضلهم علوم العرب إلى أوربا.
ولعل أهم بلد انطلقت منه ترجمة المعارف العربية إلى اللاتينية في القرون الوسطى، هو شمال أسبانيا. لقد كانت طليطلة أول مدينة ظهرت فيها حركة الترجمة، بحيث لما استولى النصارى بقيادة الملك ألفونسو السادس على هذه المدينة في سنة 1085 للميلاد، وجدوا مكتبة حافلة بالمؤلفات العربية، فعكفوا على ترجمتها إلى اللغة اللاتينية بفضل العلماء ورجال الدين الذين استقدمهم الملك ألفونسو السادس من كل أنحاء أوربا.
لقد جعل النصارى من طليطلة مركزا مهماً انتشرت منه علوم العرب المسلمين وفنونهم إلى أوربا، إذ قام ملكها ألفونسو السادس بإنشاء « معهد المترجمين الطليطليين » الذي ذاع صيته في أوربا عندما لجأ إليه نفر من المثقفين اليهود والمستعربة الأسبان والأندلسيين المسلمين في عهد ألفونسو السابع. أما أشهر مترجمي معهد طليطلة، فهم الإنكليزيان روبرت الكلتوني وأدلار الباثي، والإيطالي جيراردو الكريموني واليهوديان أبراهام بن عزرا وأخوه(24).
وأشهر من وصلت إلينا أسماؤهم من المترجمين الأسبان، دومينيكوس غنديسالفي وهو من رجال كنيسة طليطلة، ويوحنا بن داود الأسباني اليهودي المتنصر اللذان كانا يعملان مشتركين، فقد ترجما إلى اللاتينية عدة كتب من بينها كتاب « النفس » و « الطبيعة » و « ما وراء الطبيعة » لابن سينا (ت 428 هـ – 1037 م)، و « مقاصد الفلاسفة » لأبي حامد الغزالي (ت 505 هـ – 1111 م)(25).
غير أن أبرز شخصية عرفها معهد المترجمين بطليطلة هو الدون رايموندو (ت 545 هـ – 1150 م) الذي يرجع إليه الفضل في ترجمة النصوص العربية العلمية والأدبية إلى اللغات اللاتينية، إذ كان مستشارا لملك قشتالة في تلك الفترة، وتولى رعاية جماعة مترجمي طليطلة في عهد الملك ألفونسو السابع، وقد ألحّ عليهم أهمية نقل المؤلفات العربية(26). وفي عهده، توافد على هذه المدرسة عدد من الأوربيين لنقل معارف العرب.
بلغت ترجمة معارف العرب وعلومهم ذروتها في عهد ألفونسو العاشر الملقب بالعالم الذي كان يأوي في قصره عددا من الشعراء البروفنسيين. وقد التفّ حوله جماعة من المثقفين من مسلمين ونصارى ويهود، كما أشرف بنفسه على توجيه الترجمة والاقتباس والنشر. وفي مرسية، أنشأ معهدا للدراسات الإسلامية بمساعدة فيلسوف مسلم من الأندلس، ثم نقله إلى إشبيلية حيث قام بتدريس علوم العرب بمساعدة بعض المسلمين الذين وظفهم في مدرسته(27).
لقد تم بفضل الملك ألفونسو العاشر نقل الكثير من مؤلفات العرب المسلمين العلمية والأدبية والفلسفية إلى اللغات الأوربية، في طليطلة وأشبيلية ومرسية. كما أمر هذا الملك بنقل القرآن الكريم إلى الأسبانية، وكان القرآن الكريم قد ترجم إلى اللغة اللاتينية في عهد الملك بدرو الجليل (Pedro el Venerable) في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي. وقد أمر الملك ألفونسو أيضا بترجمة كتاب « كليلة ودمنة » إلى اللغة الأسبانية(28).
أما في إيطاليا فقد استخدم رجال الدين المسيحي الأسرى والمرتدين في ترجمة معارف العرب والاطلاع على أحوالهم. ويعد قسطنطين الإفريقي (ت 480 هـ – 1087 م) التاجر القرطاجني الذي أصبح راهبا بندكتيا، من أهم المترجمين الذين عرفتهم أوربا في القرن الحادي عشر الميلادي(29). وقد ترجم هذا المرتد وألف كتبا عديدة حول تاريخ العرب وجغرافية بلدانهم وأحوالهم. ولعل أشهر من استخدمهم الإكليروس في الترجمة والتأليف بروما، هو الحسن بن الوزّان الملقب بليون الإفريقي (Léon l’Africain) (ت 962 هـ – 1554 م) الذي أجبر على التنصر وترجمة معارف العرب والتأليف لمدة سبع عشرة سنة، وذلك قبل أن يفر من مجتمع روما الكنسي.
وتعد جزيرة صقلية من أهم الجسور التي مرت بواسطتها ثقافة العرب المسلمين إلى أوربا، خاصة في العهد النورمندي. لقد استقدم الكونت روجار الأول (ت 495 هـ – 1101 م) عددا من الشعراء والعلماء والمؤرخين العرب إلى قصره(30). أما الكونت روجار الثاني فقد دعا الشريف الإدريسي إلى صقلية لإنجاز كتاب « الجغرافية »(31). وكان غيوم الثاني يتكلم العربية ويكتبها، كما كانت حاشيته كلها من العرب(32)، وفي عهده، ترجمت الكتب العربية إلى اللغة اللاتينية.
ولعل أشهر من ساهموا في نشر علوم العرب والمسلمين، هو الإمبراطور فريدريك الثاني (ت 648 هـ – 1250 م) الذي تلقى علومه على يد المعلمين العرب(33). لقد كان يشرف على تدريس العلوم العربية في قصره ببالرمو، كما ألف عددا من الكتب باللغة العربية وترجم بعضها إلى اللاتينية. وفي سنة (621 هـ – 1224 م)، أنشأ جامعة نابولي لتدريس ونشر علوم العرب وآدابهم. قامت هذه الجامعة بدور بالغ الأهمية في ترجمة العلوم العربية واستقطاب الطلاب الأوربيين إليها، الذين استفادوا من علوم العرب ونشروها في بلدانهم(34).
ومن مترجمي صقلية البارزين، اليهودي فرج بن موسى الذي وظفه شارل دانجو ملك صقلية (ت 684 هـ – 1285 م) في بلاطه، وقد ترجم كتبا كثيرة من العربية إلى اللاتينية، من أهمها كتاب « الحاوي » للرازي، وقد كان له دور عظيم في تعليم الطب وممارسته في أوربا. والجدير بالذكر، أن صقلية وقعت في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي تحت حكم الإفرنج بالتواطؤ مع الكنيسة، وقد أزيح النورمان عن حكمها بسبب شغفهم بالعلوم العربية وتسامحهم مع العرب.
وفي فرنسا اشتهرت عدة مدن بمراكز الترجمة في القرون الوسطى. نذكر من بينها مدينة مرسيليا التي ترجم فيها بعض العلماء في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي عددا من الكتب العلمية الأندلسية. أما تولوز فقد برز فيها هيرمان الدلماشي الذي اختص بترجمة كتب علم الفلك العربية. وفي ناربونة اشتهر أبراهام بن عزرا وأخوه(35)، وفد ترجم هذان اليهوديان في ذلك العصر عدة كتب عربية من بينها شرح البيروني على جداول الخوارزمي.
ومن أشهر المدن الفرنسية التي أولت اهتماما بالغا بعلوم العرب، مدينة مونبيليه التي كانت مركزا للدراسات الطبية والفلكية في فرنسا(36). ومن أبرز أعلامها أرنو دي فيلانوفا (ت 713 هـ – 1313 م) الذي كان يتقن اللغة العربية، وقد درّس في جامعتها، كما يرجع إليه الفضل في تطور دراسة الطب بهذه الجامعة. وقد ترجم عددا من الكتب العربية من بينها مؤلفات ابن سينا والكندي وغيرهما. أما مدينة كلوني، التي كان يضم ديرها عددا من الرهبان الأسبان والإفرنج، فكانت من أهم المراكز التي عملت على نشر العلوم العربية في القرن الثاني عشر للميلاد.
لقد ظلت ترجمة الكتب العربية، ولا سيما الكتب العلمية مصدرا للتدريس في جامعات أوربا أكثر من خمسة قرون. أما الكتب الطبية العربية فظلت تدرّس في أوربا، وعل الخصوص، في جامعة مونبيليه إلى وقت قريب من عصرنا. ومن جهة أخرى، فإن ترجمة كتب العقاقير والحشائش والتداوي بالأعشاب من العربية إلى اللاتينية في العصر الوسيط، هو الذي أدى إلى تطور علم الصيدلة وصناعة الأدوية في أوربا.
أما الإيطالي ليوناردو البيزي (ت 602 هـ – 1250 م)، وهو من المترجمين الذين نقلوا العلوم العربية إلى أوربا في العصور الوسطى، فيعد من أبرز العلماء الذين تطور على يدهم علم الرياضيات في أوربا، وذلك بفضل استفادته من العلوم العربية. لقد قضى ليوناردو عدة سنوات في مدينة بجاية بالجزائر، رفقة والده الذي كان يملك مركزا تجاريا، ثم عاد إلى مدينة بيزة حيث ترجم عدة كتب من العربية، ويكون من خلال تآليفه قد أسهم في تهذيب الأرقام العربية.
وفي الفلسفة كان ابن رشد الحجة البالغة في جامعات أوربا منذ القرن الثالث عشر للميلاد، وخاصة في جامعة السوربون بفرنسا وجامعة بادو بإيطاليا. وفي منتصف القرن الثالث عشر للميلاد كانت جميع كتب هذا الفيلسوف العربي قد ترجمت إلى اللغة اللاتينية في أوربا. غير أن هذه الفلسفة العقلانية ناقضت كثيرا من آراء أرسطو وتعاليم الإكليروس، مما جعل الأساقفة في سنة 1277 م، يدينون جملة من نظريات ابن رشد بسبب اعتمادها على العقل وتعارضها مع أهداف الكنيسة. ورغم عداء الكنيسة لها استمرت الفلسفة الرشدية في الغرب لعدة قرون. ويبدو أثر أبي الوليد بن رشد واضحا في تآليف المفكرين الغربيين الذين تمسكوا بمبدأ حرية الفكر وتحكيم العقل.
وكان ابن رشد قد اتهم أيضا في بلاط يعقوب المنصور الأندلسي وأدانه الفقهاء، رغم أنه كان هو أيضا من كبار الفقهاء، ومع ذلك تعرض للنفي وأتلفت بعض كتبه بسبب آرائه الفلسفية. ومن هنا، نرى أن فرار العلماء والفلاسفة من الأندلس إلى شمال أسبانيا وجنوب فرنسا في عهد المرابطين والموحدين كان بسبب نفوذ الفقهاء، وأن اضطهاد هؤلاء العلماء من مسلمين ونصارى ويهود في ذلك العهد، لم يكن بخلاف ديني وإنما بسبب الفكر المبني على العقل والحكمة. لقد استغل النصارى لجوء هؤلاء العلماء والمفكرين واستخدموهم في ترجمة علوم العرب. بينما انتشر في الأندلس، في الفترة نفسها، شعر الزجل، وكثر المداحون الذين جابوا الأسواق بمدائحهم وحكاياتهم.
ومن جهة أخرى، فإن الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري قد تأثر بالإسلام في كتابه « الكوميديا الإلهية »، ولا سيما برسالة « التوابع والزوابع » لابن شهيد و »رسالة الغفران » لأبي العلاء المعري وقصة « المعراج » لمحي الدين بن عربي. وقد تعرف دانتي على الثقافة العربية الإسلامية بفضل أستاذه برونيتو لاتيني الذي كان قد اتصل بعلماء المسلمين في الأندلس عندما كان في مهمة في طليطلة عام 1260 م لدى الملك ألفونسو الحكيم(37).
ولعل أهم ما تأثر به الأوربيون منذ بداية القرن الثاني عشر الميلادي هو الشعر الغزلي. لقد نظم شعراء التروبادور في جنوب فرنسا في العصر الوسيط، شعرا مقطعيا غنائيا يتحدث عن العفة والمجاملة وتمجيد المرأة، لأول مرة في الشعر الأوربي. إن هذا الشعر الذي يشبه في شكله الموشحات والأزجال الأندلسية قد تأثر فيه الأوربيون بالأندلسيين. غير أن تأثرهم لم يكن بواسطة الترجمة، وإنما العرب هم الذين كانوا ينظمون الجزء الأخير من موشحاتهم بالعجمية ويسمونه الخرجة. فعن طريق الخرجة انتقلت إلى الشعر الأوربي في العصور الوسطى، أغلب مواضيع الشعر العربي وأغراضه وقوافيه.
وفي الختام ينبغي القول إن القرن الحادي عشر الميلادي هو العصر الذي شهد الانتقال المتميز لثقافة العرب وعلومهم إلى أوربا، ويعد أيضا بداية ترجيح الكفة بين الحضارتين إلى أن بدأ تفوق الأوربيين في القرن الخامس عشر الميلادي. فالصراع الذي كان قائما بكل أنواعه بين المسيحيين والمسلمين في كل من الأندلس وصقلية والمشرق، كان من بين الأسباب التي أدت بالأوربيين إلى تبني ثقافة العرب المسلمين والاقتباس من معارفهم. وقد اتخذت الحضارة العربية الإسلامية شكلا عمليا في دول أوربا. فبعد استفادتهم من الترجمة والاقتباس، بدأ الأوربيون يهضمون علوم العرب ويطبقونها في سائر فروع الحياة، إلى أن تفوقوا في أغلب الميادين.

الهوامش:

1 – H.- R. Gibb: Literature, in The Legacy of Islam, Oxford University Press 1965, p. 188 ff.

2 – د. أحمد هيكل: دراسات أدبية، دار المعارف، القاهرة 1980، ص 63.
3 – أنخل جنثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة د. حسين مؤنس، القاهرة 1955، ص 486 – 487.

4 – S.- M. Imamuddine: Some Aspects of Socio – Economic and Cultural History of Muslim Spain, Leiden 1965, p. 187.
5 – Maurice Morère : Influence de l’amour courtois hispano – arabe sur la lyrique des premiers Troubadours, Melun 1972, p. 11.
6 – A.- G. Palencia : Historia de la España musulmana, 3a ed., Barcelona – Buenos Aires 1932, p. 189.

7 – أ – غ. بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ص 549 – 550.
8 – المصدر نفسه، ص 541.
9 – ابن جبير: الرحلة، دار صادر، بيروت 1964، ص 197 وما بعدها.

10 – Réto Roberto Bezzola : Les origines et la formation de la littérature courtoise en Occident, Ed. Champion, Paris 1944 – 1963, 3e P., T. 2, p. 508.

11 – جوزيف رينو: الفتوحات الإسلامية في فرنسا وإيطاليا وسويسرا، تعريب د. إسماعيل العربي، دار الحداثة، بيروت 1984، ص 262.
12 – غوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، بيروت 1979، ص 533 .
13 – المصدر نفسه، ص 535.

14 – G.- B. Trend: Spain and Portugal, in The Legacy of Islam, p. 9.
15 – Ibid.
16 – H.- G. Farmer : Music, in The Legacy of Islam, p. 371.

17 – لويس يونغ: العرب وأوربا، ترجمة ميشيل أزرق، دار الطليعة، بيروت 1979، ص 120.
18 – غوستاف لوبون: حضارة العرب، ص 678. وقد ذهبت المستشرقة سيغريد هونكي إلى أن الطفل الذي وُجد في سنة (334 هـ – 945 م) أمام موناستير أورياك في الأوفرن، وسماه الرهبان فيما بعد جربرت، يكون من أب عربي وأم إفرنجية مجهولين. انظر،

Sigrid Hunke : Le soleil d’Allah brille sur l’Occident, Maison des Livres, Alger 1987, p. 379.

19 – و. مونتكمري واط: تأثير الإسلام على أوربا في العصور الوسطى، ترجمة د. عادل نجم عبو، جامعة الموصل 1982، ص 95.
20 – ليفي بروفنسال: حضارة العرب في الأندلس، ترجمة ذوقان قرقوط، بيروت (د. ت)، ص 96.
21 – د. أحمد هيكل: دراسات أدبية، ص 63.
22 – أ – غ. بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ص 572.
23 – المصدر نفسه، ص 534.
24 – لويس يونغ: العرب وأوربا، ص 120.
25 – أ – غ. بالنثيا: المصدر السابق، 537 – 538.

26 – A.- G. Palencia : Historia de la España musulmana, p. 202.
27 – Ibid., p. 114.

28 – أ – غ. بالنثيا: المصدر السابق، ص 574.
29 – لويس يونغ: المصدر السابق، ص 12.
30 – د. إحسان عباس: العرب في صقلية، دار الثقافة، الطبعة الثانية، بيروت 1975، ص 287.

31 – Réto Roberto Bezzola : Les origines et la formation de la littérature courtoise en Occident, 3e P., T. 2, p. 491 ss.

32 – ابن جبير: الرحلة، ص 197 وما بعدها.

33 – Robert Briffault : Les Troubadours et le sentiment romanesque, Ed. du Chêne, Paris 1943, p. 142.

34 – لويس يونغ : المصدر السابق، ص 15.

35 – R. Briffault : op. cit., p. 114.
36 – Jean Rouquette : La littérature d’Oc, P.U.F, 3e éd., Paris 1980, p. 23.

37 – أ-غ. بالنثيا: المصدر السابق، ص 572.

المصدر:
نشر هذا المقال في مجلة « العلوم الإنسانية »، العدد 14، سنة 2000، جامعة منتوري، قسنطينة، الجزائر.
د. محمد عباسة