الحروب الصليبية ونزعة الحب الكورتوازي

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم (الجزائر)

أطلق المؤرخون مصطلح الحروب الصليبية على تلك الحملات التي شنها الإفرنج في القرون الوسطى على بلاد الشام وفلسطين. إلا أن هذا المفهوم يكاد يكون ضيقا، فالحروب الصليبية أوسع من ذلك وقد سبقت هذه الفترة. في الحقيقة، أن الحروب الصليبية بدأت منذ فتح المسلمين لجزر المتوسط وبلاد الأندلس.
وبهذا المنظور، يمكن تقسيم الحروب الصليبية إلى ثلاث مراحل، وهي الحروب الصليبية التي شنها النصارى على مسلمي الأندلس، وذلك منذ فتح شبه الجزيرة في القرن الثامن الميلادي إلى غاية استردادها في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، ثم الحروب الصليبية التي شنها الإفرنج على البلاد العربية في المشرق وذلك منذ نهاية القرن الحادي عشر الميلادي إلى غاية طردهم منها في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، وأخيرا الحروب الصليبية التي شنها الأوربيون على البلاد العربية منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي وانتهت باحتلال الأوربيين في القرن التاسع عشر الميلادي لمعظم البلدان العربية ولإسلامية في إفريقيا وآسيا.
لكن ما علاقة كل هذا بالحب الكورتوازي (Amour courtois). فالتناقض يبدو واضحا من أول وهلة: حرب وحب. غير أننا سنحاول في هذا المقام، أن نوضح هذه العلاقة غير الطبيعية ونبين أن الحب كان من بين الأسباب التي أدت إلى افتعال الحروب الصليبية في المشرق العربي.
الحب الكورتوازي هو الحب المؤانس أو المجامل الذي ظهر في البروفنس (Provence) بجنوب فرنسا في القرون الوسطى، عند الشعراء الفرسان. فالشاعر يلتزم بتخصيص كل مواهبه الشعرية لخدمة سيدته التي يحبها ويستوحي منها أفكاره وصوره مثلما يضع الفارس براعته الحربية في خدمة سيده(1). والحب المؤانس يسمو بقيمه على أي حب فروسي آخر. هذا المفهوم يتميز بتمجيد المرأة والخضوع لها حتى وإن لم تبادل العاشق الشعور نفسه. إلا أن المرأة التي يقصدها الشاعر البروفنسي تكون في أغلب الأحيان من المتزوجات. وهذا تقليدا للغزل العذري الذي اشتهر به شعراء بني عذرة. غير أن حب العذريين صاحباتهم بدأ قبل زواجهن.
وقد تحتوي أغنية الحب على مواضيع غزلية أخرى كالحب العفيف والغزل الصوفي. إلا أن هذه المواضيع الشعرية لم يعهدها الشعر اللاتيني القديم بل استحدثها الشعراء البروفنسيون في القرون الوسطى. وتعد الكورتوازية اللبنة الأولى التي انتشر بفضلها شعر السيدة الغنائي في أوربا، حتى اعتقد بعض المؤرخين أن تاريخ الحب يرجع إلى القرن الثاني عشر الميلادي(2)، وهو العصر الذي اخترع فيه الشعراء البروفنسيون الحب الكورتوازي.
الحب المؤانس الذي نشأ في بلاد أوك (Languedoc) لا يخرج عن كونه حبا أرستقراطيا، لأن الكورتوازية مثلما يشير اسمها، هي شعر البلاط والقصور، إذ حافظ عليها الكثير من الأسياد وحموا شعراءها. ظهر هذا النوع من الغزل لأول مرة في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي عند الشعراء التروبادور (Troubadours)، وقد نظموه باللغة الأوكسيتانية (Occitan)، وهي لهجة جنوب فرنسا.
ورغم أن بداية الشعر الغنائي الأوكسيتاني لا يزال يكتنفها بعض الغموض، فإن جل المهتمين بالدراسات الرومانية اتفقوا على أن غيوم التاسع (Guilhem IX) دوق أكيتانيا وكونت بواتيه (1071 م – 1127 م) هو أول من نظم الشعر الغنائي الكورتوازي في بلاد أوك. ولم يحفظ لنا التاريخ إلا بعضا من قصائده الغنائية التي ترجع أولها إلى سنة (496 هـ – 1102 م)، وهو تاريخ عودته من المشرق بعد مشاركته في الحملة الصليبية الأولى(3)، ولا نعرف شيئا عن متقدميه. ومن المحتمل أن يكون غيوم التاسع قد نظم قصائد أخرى ظهرت قبل الحرب الصليبية الأولى ولم تصل إلينا، لأن الظروف الاجتماعية كانت مهيأة في القرن الثاني عشر الميلادي لنظم مثل هذا الشعر(4). ولهذا السبب يعتقد بعض الدارسين أن بداية الشعر الغنائي في البروفنس تعود إلى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، أي قبل الحرب الصليبية الأولى.
إنه لمن المصادفة أن نجد المقطوعة الأولى من القصيدة الأولى للتروبادور الأول، أي غيوم التاسع، تتضمن العناصر المبدئية التي بنى عليها الشعراء قصائدهم الغنائية، وهي الحب والسرور والشباب. هذا الشباب الذي كانت تلتهمه رهبانية الأديرة ويستغله رجال الإقطاع، استخدمه غيوم التاسع لأغراض أخرى، فيها كثير من التحرر والشعور بالوعي.
وبعد كل هذا، من أي مصدر استقى هؤلاء الشعراء البروفنسيون مفاهيم الكورتوازية الغريبة عن المجتمع الأوربي.
يرى جل الباحثين أن مفاهيم الحب التي طرقها الشعر الغنائي البروفنسي لا تعكس العادات الاجتماعية في جنوب فرنسا. وأن هذا الشعر يتناقض جذريا مع الظروف التي نشأ فيها(5). وهذا يعني أن مفهوم الحب الذي ظهر عند الشعراء التروبادور جاء من جهة أخرى.
المشتغلون بالدراسات الرومانية يرجعون أصل الشعر الغنائي الأوكسيتاني إلى مصادر لاتينية محض، مستندين في ذلك على مؤلفات أوفيديوس (Ovide) (43 ق م – 18 م) في الحب، ومقطعات فورتينا (Fortunat) (530 م – 600 م) الشعرية(6).
إن الشعر الأوكسيتاني في القرن الثاني عشر الميلادي ليست له أية صلة ظاهرة بالشعر الروماني اللاتيني القديم. وإن كتاب « فن الحب » لأوفيديوس(7) لا يشهد على أية علاقة بالكورتوازية، ولا يتضمن من العفة سوى نصائح الإغواء التي يقدمها أوفيديوس للرجل والمرأة على السواء، وغالبا ما يسودها الإثارة الجنسية البذيئة ويغيب فيها أدنى احتشام(8). في حين أن تمجيد المرأة وإجلالها الذي جاء به الشعراء التروبادور في شعرهم لم يعرفه الأوفيديون من قبلهم، وقد اعتبرته الكنيسة التي احتضنت الشاعر فورتينا، ضربا من الكفر.
أما أكثر الباحثين من عرب ومستشرقين فهم يرون أن شعر الحب الكورتوازي الذي جاء به الشعراء البروفنسيون لأول مرة في أوربا لا عهد له بفلسفة أوفيديوس ولا بغيره من مفكري الرومان واليونان، بل استورده الشعراء الأوكسيتانيون من بلاد الأندلس. لأن هذا الحب لا يعكس واقع المجتمع الأوربي في ذلك الوقت، وإنما هو جزء من مقومات العرب(9).
إن الشعر الغنائي الأوكسيتاني يرجع في نشأته إلى عدة عوامل، منها الحروب التي دارت رحاها بين العرب المسلمين الأندلسيين والنصارى الأسبان والإفرنج. وقد اصطلحنا عليها بالحروب الصليبية الأندلسية.
إن الحروب التي نشبت بين المسلمين الأندلسيين والنصارى الأسبان مدة وجود العرب في شبه الجزيرة، لم يخضها الإيبيريون وحدهم وإنما شاركهم فيها كل من الفرنجة والنورمان والبروفنسيين. وكان السبي من أهم غنائمهم، كما كان من بين الأسرى أهل العلم والأدب الذين انتفع منهم نصارى شمال أسبانيا وجنوب فرنسا.
إن الأسرى المسلمين الذين وقعوا في يد الإفرنج أثناء المعارك في الأندلس، وسيقوا إلى جنوب فرنسا، وكان من بينهم المثقفون والشعراء والمغنيات وغيرهم، عملوا في بلاد الإفرنج على نشر المعرفة وبعض الفنون والأساليب التي كان يجهلها البروفنسيون(10).
ومن أهم الغارات الصليبية التي عرفتها الأندلس، تلك التي شنها سانشو رامير (Sancho Ramiro) ملك أراغون، على الحاضرة الإسلامية بربشتر (Barbastro) في شمال شرق الأندلس سنة (456 هـ – 1064 م)، بمساعدة أمير نورماندي، الذي عاد عبر جبال البرانس ومعه آلاف الأسرى المسلمين، وكان من بينهم عدد من المغنيات استخدمهم النصارى في القصور(11). وقد ارتكبوا أفظع الجرائم في هذه المدينة بعد إبادتهم لآلاف السكان المسلمين.
أما هذا الأمير النورماندي فهو غيوم الثامن دوق أكيتانيا(12) وأبو التروبادور الأول غيوم التاسع الذي نظم، لأول مرة في أوربا، شعر الحب الكورتوازي. فكان هؤلاء الأسرى المسلمون والمسلمات الذين عاشرهم غيوم التاسع في قصر أبيه مصدرا من مصادر شعره الجديد.
ولم تقتصر حروب المسلمين مع الإفرنج على أرض الأندلس، بل جرت أيضا في بلاد الإفرنج والبروفنس، لأن العرب فتحوا منطقة جنوب فرنسا(13) ولم يخرجوا منها حتى بعد انهزامهم في معركة بواتيه سنة (114 هـ – 732 م). ويرجع استقرار العرب في جنوب فرنسا إلى رغبة البروفنسيين الاستقلاليين الذين استنجدوا بالأندلسيين لمقاومة جيش شارل مارتل.
لقد شيد العرب في منطقة البروفنس قلاعا وحصونا، ولم تكن إقامتهم ظرفية، بل منهم من استقر بعائلته على السواحل والمرتفعات التي تملكوها. وليس غريبا إذا وجدنا أن المناطق الفرنسية التي فتحها العرب المسلمون ومكثوا فيها طويلا هي التي أنجبت أشهر الشعراء البروفنسيين.
كان اتصال البروفنسيين بالحضارة العربية الإسلامية في الأندلس عاملا مباشرا في تحرر أهل الجنوب من قيود الفرنجة الشماليين، وتكوين كيان سياسي واقتصادي وثقافي خالصا لهم. فكان أول عناصر هذا الكيان شعرهم الغنائي.
أما أهم مواضيع الشعر الأوكسيتاني فهو الغزل. وما يثير الاستغراب في هذا الشعر هو أن يخضع رجل القرون الوسطى للمرأة ويكن لها كل الاحترام ويطيعها ويستسلم لها من أجل الحب، بل ويخدمها كما يخدم العبد سيده، في حين أن تاريخ المجتمع الأوربي، في تلك الفترة، يكشف لنا عما يخالف ذلك، إذ كانت المرأة تعد من أحقر المخلوقات، وغالبا ما يضربها الرجل لأبسط الأسباب. ولم يذهب الشعراء التروبادور إلى هذا القصد إلا للسخرية من رجال الإقطاع والكنيسة ومظالمهم في حق الشعب البروفنسي واحتقارهم للمرأة.
لقد أدركت الكنيسة أن الحب الكورتوازي الذي بدأ ينتشر في بلاد أوك منذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، لا يعكس العادات والتقاليد في المجتمع الأوربي، بل يمثل ثورة فكرية في وجه المسيحية، فحاربه رجال الدين بكل الطرق لأنهم اعتبروه دينا جديدا رفع به الشعراء المرأة الأوربية من وضعها الرديء إلى مستوى راق. وكانت الكنيسة لا تريد هذا التقديس للمرأة واعتبرت ذلك خارجا عن تعاليمها. لأن المرأة كانت تمثل الوطن وتحث على الاستقلال والتحرر.
إن الحروب الصليبية في المشرق كانت من بين الوسائل التي استخدمتها الكنيسة في القضاء على هذا الشعر الجديد. لقد أدرك رجال الدين أن ملامح التغيير التي بدأت تطرأ على منطقة جنوب فرنسا سببها تطور الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، وذلك بفضل الإسلام. وأن الشرق هو منبع هذا التطور حيث توجد المعالم الإسلامية والأماكن المقدسة. ففكر رجال الدين في قطع الصلات بين المشرق والمغرب باحتلال عساكرهم الأراضي المقدسة في الشرق وتمسيحها. وقد تجسدت أحلامهم في افتعالهم الحروب الصليبية في المشرق(14).
قامت أول حملة صليبية سنة (489 هـ – 1095 م) وتحمس لها عدد من الملوك والدوقة الفرنجة من نورمانديا وجنوب فرنسا. لقد كانت هذه الحروب سببا في إنقاذ أوربا من الانهيار السياسي والاقتصادي في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، فنجت من الشتات السياسي. وقد نجح الإكليروس (Clergé) في إبعاد رؤوس الفتن وإقناع الأمراء بأن العدو المشترك أمامهم هو الإسلام والمسلمون. وكان التروبادور الأول الشاعر غيوم التاسع الذي اتهمته الكنيسة بالكفر وحرمته من الجنة، من بين الدوقة والقوامس الذين اشتركوا في هذه الحملة الصليبية.
إلا أن غيوم التاسع قد وقع في أسر الصليبيين أنفسهم عندما تحطم جيشه عن آخره في هرقله (Héraclée). وبعد أكثر من سنة عاد غيوم إلى جنوب فرنسا بعدما تيقن من أن ذهابه إلى المشرق كان فخا نصبه له أعداؤه بالتواطؤ مع الكنيسة للتخلص منه والاستيلاء على أملاكه، فنظم قصائد يهجو فيها الإكليروس لكنها لم تصل إلينا بسبب الإعراض عنها وكسادها.
ولم يكن غيوم التاسع الشاعر الوحيد الذي شارك في الحرب الصليبية بل نجد عددا من الشعراء التروبادور قد شاركوا في الحملات الصليبية ضد المسلمين. فالحروب الصليبية إذن، كانت فرصة لاحتكاك هؤلاء الشعراء بالعرب المسلمين، خاصة في أوقات السلم التي كانت، بلا ريب، أطول من فترات الحرب. هذا لاختلاط دفع بالأوربيين النصارى إلى اكتشاف عناصر حضارة الإسلام ومعالمها(15).
أما هذه الحملات الصليبية فقد ضمت في صفوفها أخطر السفاحين في ذلك الوقت: ملوك، ودوقة، وقوامس، دمروا المدن وذبحوا سكانها من أطفال وشيوخ ونساء، في كل الأراضي الأوربية والآسيوية التي مروا بها في طريقهم إلى القدس. لم تعرف الإنسانية جرائم بشعة كتلك التي اقترفها الصليبيون الإفرنج في ذلك الوقت. لقد فعلوا ذلك كله باسم المسيح وبمباركة الكنيسة.
لقد ذكر بعض المؤرخين القدامى ممن عاصروا الحروب الصليبية في المشرق، أنه ليست للإفرنج أية فضيلة إنسانية، وأن أعمالهم الحربية خالية من القيم الفروسية، بل إنهم أشبه ما يوصفون بالقراصنة وقطاع الطرق(16).
لكن الشعراء البروفنسيين فضحوا هذه الجرائم في قصائدهم، ولما كانوا يعتقدون أن رجال الدين المسيحي والحب شيئان لا يلتقيان، وظفوا موضوع الغزل في قصائدهم للسخرية من الكنيسة وحروبها الصليبية. فغيوم التاسع دعا المرأة ألا تحب راهبا(17). أما الشاعر مركابرو (Marcabrun) فهو يتهجم على الحرب الصليبية الثانية (1147 م – 1149 م)، لأنها تسببت في فراق حبيبين، فيصور لنا ذلك على لسان الفتاة الريفية التي تبكي فراق حبيبها الذي سيق إلى هذه الحرب(18). وأما الشاعر برطران دي بورن (Bertram de Born) الذي عُرف بتحمسه للحروب، نجده يتخلف عن المشاركة في الحملة الصليبية الثالثة (1189 م – 1192 م) لمواجهة صلاح الدين الأيوبي. وقد برر هذا الشاعر موقفه ساخرا بحجة أن جمال سيدته ورشاقتها أفقد عقله وأضعف قلبه، ولهذا السبب تخلف عن المشاركة في الحرب(19).
وفي الفترة نفسها ظهرت في البروفنس طائفة دينية تسمى الكاترية (Catharisme)، تدعو إلى التحرر(20). وقد جمعت هذه الهرطقة بين عقلانية القديس بولص الدمشقي في القرن الثالث الميلادي، والقديس أوغستين الجزائري في القرن الخامس الميلادي، وبين فلسفة الحب ذات الجذور العربية. وكل هذه الطوائف، من بولصيين وأوغستينيين وكاتريين، وقفت في وجه الكنيسة متهمة إياها باستعمال الخرافات وسيلة للاستبداد والظلم.
أما الكنيسة فقد حاربت البولصيين والأوغستينيين على مر العصور متهمة إياهم بالبدع والهرطقة. لكن أقذر حرب قام بها رجال الكنيسة وأتباعهم في تاريخ المسيحية هي تلك الحرب المسماة « الصليبية الألبيجية » (La croisade albigeoise) التي شنها الإفرنج الشماليون بقيادة الإكليروس على مدينة آلبي (Albi) والمناطق المجاورة لها في جنوب فرنسا. وقد دامت هذه الحرب من سنه 1209 م إلى غاية سنة 1229 م، أصر فيها رجال الكنيسة على إبادة كل من له صلة بعقيدة الكاترية أو له علاقة بشعراء الحب الكورتوازي. وبهذه الطريقة قضت الجيوش الصليبية على شعب بأكمله ولم تستثن لا الأطفال ولا الشيوخ. وهكذا استطاعت الكنيسة أن تخمد ثورة الحب وتقدم خدمة جليلة لملوك فرنسا لاحتلال الجنوب.
كانت نهاية الحرب الصليبية الألبيجية في جنوب فرنسا في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي مؤشر بداية انحطاط الشعر الأوكسيتاني مع أهم عناصره: وهي اللغة الأوكسيتانية والحب الكورتوازي، ليفسح المجال للأشعار الأخرى التي اشتهرت بعده كالشعر الإيطالي والفرنسي الشمالي والألماني. لكن الشعر الأوكسيتاني لم يمت بل لا يزال إلى يومنا هذا، ولو بدرجة أقل مما كان عليه في القرون الوسطى.
ولما فشل الإفرنج في الحروب الصليبية المشرقية وطردوا من بلاد الشام وفلسطين، ولوا وجوههم صوب الجنوب، أي بلاد الأندلس وشمال إفريقيا. وبعد أن استفادوا من عناصر الحضارة العربية الإسلامية في المغرب والمشرق، عظمت قوتهم حتى تمكنوا من استرداد بلاد الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي.
ومنذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، انقلبت موازين القوى وأصبح التفوق الحضاري والعلمي للإفرنج الذين باشروا بحروب صليبية جديدة، استهدفت سواحل شمال إفريقيا وانتهت باحتلال الجزائر وباقي الدول العربية. ومنذ ذلك الحين وقع العرب والمسلمون تحت الاستعمار الأوربي الذي عمل بكل ما في وسعه على طمس الشخصية الوطنية للعرب وتشويه عقيدتهم حتى لا يسترجعون مرة أخرى قوتهم. أما الفرنسيون، وهم أحفاد الفرنجة، فقد انفردوا عن بقية الدول الاستعمارية الأخرى باستخدامهم أبشع أنواع التعذيب والتقتيل الجماعي في الجزائر أثناء الاحتلال.
غير أن في مطلع الستينيات من هذا القرن، أدرك الأوربيون أن الاحتلال لا ينفع في القضاء على هوية العرب الإسلامية، بل زادهم إصرارا وتعلقا بمقوماتهم. فشرع الأوربيون بواسطة وسائلهم الإعلامية المتطورة على نشر مبادئ المادية وما يسمى بحقوق الإنسان والمساواة بين الرجل والمرأة على الطريقة الغربية، وذلك من أجل تفكيك البنية الاجتماعية عند العرب وانشغالهم بأمور هامشية.
وليس صدفة إذا وجدنا أن البلدان الأوربية والآسيوية والإفريقية التي مر بها الإفرنج وأحفادهم عبر العصور، هي التي شهدت في هذا العصر أبشع الجرائم والإبادات الجماعية الفظيعة، التي لم تعرف الإنسانية مثيلا لها إلا مع الإفرنج.
وفي الأخير، ينبغي أن نقول إنه رغم محاربة الكنيسة لمبادئ الحب المستمدة من الفلسفة العربية الإسلامية والتي رأت فيها مظهرا من مظاهر التحرر، فإن القوانين الأوربية التي تسير العلاقات الاجتماعية، لا تخلو من هذه المبادئ التي تأثر فيها الأوربيون بالعرب المسلمين؛ بل كانت من بين الأسباب التي أدت إلى انتقال السلطة من أيدي رجال الدين المسيحي إلى رجال الدولة. وهذا ما كانت تخشاه الكنيسة في القرون الوسطى.

الهوامش:

1 – Ernest Hœpffner : Les Troubadours, dans leur vie et dans leurs œuvres, Ed. Armand Colin, Paris 1955, p. 9.
2 – Pierre Burney : l’Amour, 2e éd., P.U.F., Paris 1977, p. 8. – Cf. Denis de Rougemont : Les mythes de l’amour, Ed. Gallimard, Paris 1972, p. 20.
3 – Réto Roberto Bezzola : Les origines et la formation de la littérature courtoise en Occident, Ed. Champion, Paris 1944 – 1963, 2e P., T. 1, p. 209.
4 – Alfred Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, Ed. Champion, 2e éd., Paris 1972, p. xix.
5 – Denis de Rougemont : l’Amour et l’Occident, Ed. 10/18, Paris 1979, p. 80.

6 – ولد فورتينا بأرض إيطاليا، ولم يحفظ لنا التاريخ شيئا من أشعاره سوى بعض المقطعات ذات الطابع الإكليروسي.
7 – ألف أوفيديوس كتبا في الحب أهمها كتاب « فن الحب » (Ars amatoria).

8 – Ovide : l’Art d’aimer, Paris 1924, L. 1, p. 15 ss.
9 – Stendhal : De l’amour, Ed. G.F., Paris 1966, p. 190.

10 – ليفي بروفنسال: حضارة العرب في الأندلس، ترجمة ذوقان قرقوط، بيروت (د. ت)، ص 95.

11 – Robert Briffault : Les Troubadours et le sentiment romanesque, Ed. du Chêne, Paris 1943, p. 44.
12 – Ibid.
13 – Ángel González Palencia : Historia de la España musulmana, 3a ed., Barcelona-Buenos aires 1932, pag. 23.
14 – René Grousset : l’Epopée des Croisades, Ed. Plon, Paris 1939, p. 15 ss.

15- د. زكي النقاش: العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين العرب والإفرنج خلال الحروب الصليبية، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1946، ص 197.

16 – Francesco Gabrieli : Chroniques arabes des Croisades, traduit par Viviana Pâques, Ed. Sindbad, 2e éd., Paris 1986, pp. 99 – 100.
17 – Alfred Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, p. 9.
18 – Pierre Bec : Anthologie des Troubadours, Coll. 10/18, U.G.E., Paris 1979, p. 90.
19 – Ernest Hœpffner : op. cit., p. 118.
20 – Denis de Rougemont : l’Amour et l’Occident, p. 88.

المصدر:
نشر هذا المقال في مجلة « إنسانيات »، العدد 9، سنة 1999، مركز البحث في الأنتروبولوجية الاجتماعية والثقافية، وهران، الجزائر.
د. محمد عباسة

Publicités