حب الآخر في الشعر الأندلسي والبروفنسي

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم (الجزائر)

اتصل العرب في الجاهلية بغيرهم من الشعوب وتعاملوا معهم في ميادين مختلفة أبرزها التجارة. كما لجأ بعض شعرائهم إلى الحيرة وغسان، وهي الإمارات التي كان يلتقي في بلاطها العربي والفارسي والرومي؛ ولم تكن معتقداتهم عائقا في تعاملهم فيما بينهم قبل ظهور الإسلام، إذ نجد من بينهم عابد الأصنام والنصراني واليهودي.
لكن هذه العلاقة كانت محدودة بالنظر إلى قوانين القبيلة التي كانت جد صارمة تجاه الآخر، فغالبا ما كانت الحروب تنشب بين القبائل لأتفه الأسباب، ذلك لأن العصبية كانت السمة العليا التي ينبغي على الفرد في العصر الجاهلي أن يتحلى بها.
ولما جاء الإسلام عمل على نبذ العصبية القبلية وإرساء مبادئ التسامح والمحبة، وجعل من الشاعر شاعر أمة لا شاعر قبيلة. هذه المبادئ السمحاء دفعت الكثير من الشعوب غير العربية إلى اعتناق الإسلام وتعلم لغة القرآن. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى احترام الآخر بغض النظر عن دينه وأصله ولونه، أما الأحاديث النبوية الشريفة فهي كثيرة تلك التي تدعو الإنسان المسلم إلى احترام غيره حيا أو ميتا.
غير أن الناس انحرفوا عن هذه المبادئ عند قيام الدولة الأموية التي عملت على إحياء العصبيات الجاهلية وتشجيع النقائض الهجائية مما أدى إلى ظهور طوائف عرقية في المجتمع الإسلامي تشبعت بالشعوبية وراحت تطعن في نسل العرب وتمجد العجم وتفتخر بحضارتهم. وقد تبين أن الظروف السياسية والصراع حول السلطة كانت من بين العوامل التي أدت إلى تفشي الأحقاد بين الناس.
ومع ذلك، فإن الحضارة العربية الإسلامية على مدى العصور لم تتأثر كثيرا بهذه العصبية التي سادت في العصر الأموي وامتدت إلى العصر العباسي، فبلاد المغرب لم تعرف هذه الفروق الاجتماعية منذ ظهور الإسلام فيها. أما في بلاد الأندلس فقد تعايشت أجناس كثيرة فترة طويلة من الزمن، على اختلاف أديانها ولغاتها.
لقد أوصت الكتب السماوية باحترام الغير، لكن بعض الجماعات البشرية والأفراد، ولأسباب أيديولوجية أو عرقية أو عصبية أو استعمارية، يريدون إلغاء الآخر وعدم الاعتراف بخصوصياته. هذا الآخر ظل يكافح من أجل إثبات الذات وفرض وجوده ككائن لا يختلف عن الآخرين من حيث إنسانيته.
والآخر عدة أصناف، منه من يختلف في الدين، وفي العرق، وفي اللون، وفي المستوى الاجتماعي كالفقير والخادم والجارية وغيرهم. وما يستدعي الغرابة أن هناك من كان يعتبر المرأة إنسانا أخرا. فالمجتمع الأوربي في القرون الوسطى كان لا يرى في المرأة إنسانا كاملا، كما كانت الكنيسة تحملها كل مصائب الدنيا وتنعتها بألقاب لاذعة.
ولم تتغير نظرة المجتمع الأوربي تجاه المرأة إلا بعد احتكاك رجال الفكر الأوربيين والشعراء البروفنسيين في جنوب فرنسا بأدباء الأندلس وشيوخها. فظهور شعر الحب المؤانس في جنوب فرنسا في بداية القرن الثاني عشر الميلادي، كان اللبنة الأولى التي جعلت المرأة الأوربية تتبوأ مكانة مرموقة في المجتمع البروفنسي والأوربي في ذلك الوقت.
غير أن الكنيسة عارضت بشدة هذا النوع من الحب الذي يمجد المرأة ويجعل الفارس يخضع لإرادتها، واعتبرت ذلك خروجا عن تعاليمها، فحاربته بشتى الوسائل وحتى بالشعر نفسه. لقد جندت بعض الشعراء الموالين للإكليروس لمعارضة شعر السيدة الغنائي بشعر مغاير يتغنى بالسيدة العذراء، ولما لم تفلح، تواطأت مع ملوك إفرنجة على احتلال الجنوب. لقد شن الإفرنج حربا شرسة على البروفنس، هي الحرب الصليبية الألبيجية (Croisade albigeoise) التي دامت من سنة 1209 إلى غاية سنة 1229 للميلاد، وراح ضحيتها آلاف الأطفال والنساء والشيوخ. وقد أدى ذلك إلى انحطاط الآداب الأوكسيتانية في المنطقة بعد عصر ذهبي دام قرنين من الزمن.
أما في بلاد الأندلس فالمرأة كانت دوما جزءا من المجتمع وعضوا فعالا فيه. فقد تقلدت مناصب سياسية وامتهنت التجارة وعبرت عن رأيها كما استشيرت في أمور شتى. وقد تغزل بها الشعراء وهاموا بحبها منذ بداية الشعر العربي، وكثيرات منهن كن أديبات وشاعرات وعالمات وموسيقيات.
ومن الطبيعي أن تتبوأ المرأة هذه المكانة في المجتمع العربي الإسلامي ما دام لإسلام يدعو إلى حماية المرأة واحترامها. ومن مبادئ الإسلام أيضا احترام الآخر وصيانة حقوقه، وهذا الآخر في الإسلام ليس فقط المسلم وإنما أي إنسان مهما كان نسبه ولونه ومعتقده. لذا وجدنا الكثير من الأندلسيين على اختلاف طبقاتهم يتزوجون من عجميات إسبانيات وإفرنجيات، فأمهات الأمراء والخلفاء في الأندلس كن أغلبهن من العجميات.
لقد تعوّد مسلمو الأندلس على التزوج من النصرانيات منذ فتح شبه جزيرة أيبيريا، إذ صاهر حكام الأندلس ملوك نصارى الشمال. وكان بعض الملوك النصارى يأتون إلى المدن الأندلسية لزيارة بناتهم كلما سنحت لهم الفرصة. والذي ينبغي الإشارة إليه، هو أن قصور ممالك النصارى في شمال الأندلس لم تخل من الإفرنج قبل وبعد ظهور حركة التروبادور، وأن بعض هؤلاء الشعراء كانوا يترددون على هذه القصور، ومنهم من نبغ فيها. فزوجات المسلمين الأعجميات وأتباعهن كانوا همزة وصل بين أهل الأندلس ومختلف طبقات الإفرنج الذين التقوا بهم في قصور ممالك النصارى.
ولم يكتف الأندلسيون بالزواج من العجميات وحسب، بل هناك من أحبهن وهام في غرامهن. لقد وصلت إلينا أشعار كثيرة نظمها شعراء أندلسيون وصقليون في فتيات مسيحيات، يتغزلون بهن ويتذللون لهن مثلما يفعلون مع المسلمات. إذ لم يكن الاختلاف في الدين عائقا في وجه هذه العلاقات العاطفية، لأن الطوائف الدينية الأخرى كالمسيحية واليهودية، لم تعان من أي تمييز في المجتمع الأندلسي في ذلك الوقت.
أما فيما يتصل بحب الآخر في الشعر الأندلسي، فقد أورد ابن بسام في « الذخيرة » عن الشاعر محمد بن الحداد (ت 480 هـ – 1087 م)، قائلا: « وكان أبو عبد الله قد مني في صباه بصبية نصرانية، ذهبت بلبه كل مذهب، وركب إليها أصعب مركب، فصرف نحوها وجه رضاه، وحكمها في رأيه وهواه، وكان يسميها نويرة كما فعله الشعراء الظرفاء قديما في الكناية عمن أحبوه، وتغيير اسم من علقوة »(1).
تمنعها الذي غذى الشعر عند ابن الحداد جعل قصتهما من أشهر قصص الغرام في الأندلس في ذلك الوقت. ويستنتج من خلال النصوص التي أوردها ابن بسام في « الذخيرة »، إن ابن الحداد هذا كان صادقا في حبه وقد عبر عن معاناته في كل قصيدة نظمها في هذه الفتاة المسيحية، التي لم يقدر حتى على ذكر اسمها الحقيقي في شعره.
ولا نظن أن الفرق في الدين هو سبب هذا الهجر واستحالة هذا الحب، فالكثير من المسلمين الأندلسيين تزوجوا بمسيحيات ولم يكن الدين عائقا في وجه ذلك، ولم يكن ابن الحداد في بلاد الأندلس، سوى ابن زيدون آخر فشل في حبه بغض النظر عن نسب حبيبته أو معتقدها.
لقد ارتبط شعر ابن الحداد الذي قاله في « نويرة » بالدين المسيحي، فهو يستحضر كل ما يتعلق بهذا الدين حين يتذكر حبيبته، ويناجيها في حلمه، ومن ذلك قوله(2):

عساك بحق عيساك *** مريحة قلبي الشاكي
فإن الحسن قد ولا *** ك إحيائي وإهلاكي
وأولعني بصلبان *** ورهبان ونساك
ولم آت الكنائس عن *** هوى فيهـن لولاك
وها أنا منك في بلوى *** ولا فرج لبلواك
ولا أستطيع سلوانا *** فقد أوثقت إشراكي

ومن خلال هذه القصيدة، نرى أن هذا الحب كان أقوى مما تمليه الأعراف والتقاليد، فلم يكترث ابن الحداد لشيء لما أصبح يتردد على الكنائس، بل ويمدح دين حبيبته حتى أعتقد أنها أوثقت إشراكه. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن الحب عند العرب لم يعرف حدودا إقليمية أو عقائدية.
ولم يصل الأمر بابن الحداد إلى هذا الحد، بل كان يبحث عن الألفاظ الدالة على المعاني المسيحية ويبني عليها قافيته. وقد بالغ كثيرا في توظيف المعاني المسيحية واستخدام الألفاظ الدالة على ذلك. وقد أبدع أيضا عند ما استغل هذه الألفاظ في المحسنات البديعية. غير أن اتجاهه في هذا النظم كان يختلف عن شعراء الحب الآخرين، فرغم الصراحة التي تتسنى من خلال شعره، إلا أنه انتهج أسلوبا فلسفيا لا يدرك مقصده من غير الطبقة الخاصة، ومثل هذا الأسلوب يحد من انتشار قصائده في أوساط الطبقات الأخرى من المجتمع.
ولم يكن ابن الحداد وحده من هام بحب مسيحية، بل كثير هم الأندلسيون والصقليون من تعلقوا بهوى مسيحيات، فمنهم من وصلت إلينا بعض أشعارهم ومنهم من لم تصل بسبب الضياع. ومن هؤلاء الفقيه أبو موسى عيسى بن عبد المنعم الصقلي الذي هام حبا بفتاة مسيحية. وجاء في « الخريدة » أنه كان كبير الشأن ذا الحجة والبرهان وفقيه الأمة، فمن بديع قوله في الغزل(3):

يا بني الأصفر أنتم بذمي *** منكم القاتل لي والمستبيح
أمليح هجر من يهواكم *** وحلال ذاك في دين المسيح
يا عليل الطرف من غير ضني *** وإذا لاحظ قلبا فصحيح
كل شيء بعد ما أبصرتكم من *** صنوف الحسن في عيني قبيح

كان أبو موسى هذا قد عاش في عهد النورمان، وكان ملكهم روجار الثاني يرعى الشعراء من كلا الجنسين، وكان جيشه يتكون من مسيحيين ومسلمين، وكانت اللغة العربية تستخدم إلى جانب اللغة الإغريقية في البلاط. وإلى جانب شعراء الغزل، كان هناك أيضا شعراء مسلمون نظموا قصائد في مدح روجار ووصف قصوره وحدائقه ورثاء أفراد أسرته.
غير أن الأصفهاني كان يعرض في « الخريدة » عن ذكر الأبيات التي يمدح بها الشعراء هذا الملك النورماني حاكم صقلية، فهو لا يؤثر إثبات مديح الكفرة كما يقول(4). لكنه لم ير مانعا عند ما دون الأشعار التي نظمها أصحابها في الفتيات المسيحيات.
ومن هنا، نرى أن الصراع الذي كان قائما بين المسلمين والأوربيين لم يكن سببه الدين المسيحي، وإنما الفكر الاستعماري. لأنه لم يأت في الأدب العربي أن شاعرا واحدا قد هجا الدين المسيحي، بل كان شعراء المسلمين يهجون الذين يستخدمون دين المسيح وسيلة للاستيلاء على الأراضي المقدسة في المشرق والمغرب.
وأن العماد الأصفهاني الكاتب لما أعرض عن ذكر الأبيات الذي مدح بها الشاعر الصقلي الملك روجار، لم يفعل ذلك بسبب الانتماء الديني لهذا الملك النورماني، وإنما بسبب ما قام به هذا الحاكم وأتباعه من غزو واغتصاب جزيرة صقلية التي كانت فيما مضى تحت حكم المسلمين الذين خرجوا منها قهرا ولم يسلموها للنورمان.
والشعر العربي كما نعلم، نشأ وترعرع في حب السمراء، لأنها بنت البلد ومنبع المجتمع ومصدر إلهام شعرائه. غير أن مسلمي الأندلس لم يقتصروا على هذا اللون، وإنما تغزلوا في الأجناس الأخرى، كالشقراء والسوداء. فابن حزم في « الطوق » كان يدعو إلى حب الشقراء، ليس من باب التعصب، وإنما من أجل التفتح على الآخر، وربما رغبة في التجديد أو تمردا عل القصيدة التقليدية الموروثة منذ العهد الجاهلي.
لقد جاء في « الطوق » عن ابن حزم قوله: « وعني أخبرك أني أحببت في صباي جارية شقراء الشعر فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه وأني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت، لا تؤاتيني نفسي علي سواء ولا تحب غيره البتة، وهذا العرض بعينه عرض لأبي رضي الله عنه وعلى ذلك جرى إلى أن وفاه أجله »(5).
ولم يكن ابن حزم أول من مال إلى الشقراء، فالكثير من الأندلسيين وخاصة أولئك المنحدرين من أمهات عجميات ومنهم الملوك والأمراء كانوا يفضلون الشقر والشعراء منهم يتغزلون بهن، وهذا ظاهر في شعر عبد الملك بن مروان حفيد الناصر وهو المعروف بالطليق، وكان أشعر أهل الأندلس في زمانهم وأكثر تغزله بالشقر(6).
أما أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الطوبي الصقلي، فكان يتغزل بفتاة صقلية سوداء، ومن ذلك قوله(7):

تحبك، يا سوداء، نفسي بجهدها *** فما لك لا تجزينها بوداده
وأنت سواد العين في إرعابه *** وليس بياض العين مثل سواده

ومن خلال ما مر بنا، نرى أن حب العرب المسلمين لم يكن يميز بين الأديان والألوان، وإنما كان يسمو على أي اعتبار. ولم يستخدم الملوك والأمراء في الأندلس نفوذهم وقوتهم لإخضاع النساء عند ما يتعلق الأمر بحب صادق، حتى وإن كان المحبوب من أسفل الطبقات. وخير دليل على ذلك، قصة الأمير الشاعر المعتمد بن عباد والجارية « اعتماد » التي أحبها من أعماق قلبه وتزوجها كما قال فيها شعرا كثيرا.
حب الأمراء والملوك للجواري ظاهرة انتشرت في أوساط الأندلس منذ العصر الأموي، وكان من بين هؤلاء الأمراء والملوك، شعراء نظموا شعرا فيمن أحبوا من النساء وتذللوا لهن كما لم يكونوا من الحكام أصحاب الجاه والسلطان. وقد قيدت لنا مصادر تاريخ الأدب العربي في الأندلس نماذج كثيرة من هذا القبيل.
ولم يشهد تاريخ الأدب الأوربي نوعا من هذا الشعر قبل القرن الثاني عشر الميلادي تاريخ ظهور الحركة التروبادورية. ولما انتشر الشعر العربي في الأندلس استفاد منه كثير من شعراء الإفرنج، ومنهم الشعراء الملوك والأمراء في شمال إسبانيا وجنوب فرنسا الذين نظموا أشعارا يتغزلون فيها بسيدات من طبقات اجتماعية لم يكن يكترث لها في القرون الوسطى.
لقد تغزل البروفنسيون بسيدات أجنبيات، إنجليزيات وإسبانيات ولمبارديات. ومن الطبيعي أن يتغزلوا بهن ما دامت تربطهم علاقات مصاهرة بهذه الشعوب، وعلى وجه الخصوص، الإيطاليون والأسبان. كان غيوم التاسع (Guilhem ix) كونت بواتيه، وهو أول تروبادور (Troubadour)، قد تزوج في سنة (487 هـ – 1094 م) السيدة « فيليبا » أرملة سانشو رامير ملك أراغون الذي قتل في منطقة وشقة. وكان الكونت غيوم التاسع قد تزوجها في شمال أسبانيا حيث مكث مدة نصف السنة قبل أن يعود بها إلى بروفنسا(8). وقد مكنه ذلك من الاطلاع على أكثر مضامين وأشكال الأدب العربي في بلاد الأندلس.
غير أن شعر التغزل بالآخر الذي اشتهر به الشعراء الجوالون في بلاد البروفنس هو الحب البعيد، أو الحبيبة المجهولة، أو الحب بالوصف كما يسميه ابن حزم الأندلسي في « طوق الحمامة ». وغالبا ما تكون الحبيبة المجهولة من مجتمع آخر أو على دين آخر. والحب الذي جاء به هؤلاء الشعراء الفرسان، الذين أغلبهم من الأمراء، لم يعرف هذه الحدود.
أول من نظم في هذا الموضوع من الأوربيين، هو غيوم التاسع كونت بواتيه ودوق أكيتان المتوفى سنة 1127 للميلاد. فمن ذلك قوله من قصيدة(9):

عشقتُ امرأة لكن لا أعرفه
لأنني لم أرها أبدا في حياتي
لا أحسنتْ لي في يوم ولا أساءتْ
وهذا لا يهمني، ما دام ليس هناك
نورماني ولا فرنسي في داري

في هذه القصيدة يقص علينا غيوم التاسع كيف تعلق بحب امرأة، لكنه لم يرها أبدا، وهذا ما لم يقع في الشعر الأوربي قبله. ومن الشعراء من أحب بالوصف دون أن يرى حبيبته، رامبو دورانج الذي هام مدة طويلة بحب فتاة لمباردية، هي كونتيسة أورجل. لم يرها رامبو بل أحبها لما سمع عنها من أوصاف حميدة شدته إليها. وقد نظم فيها عددا من القصائد. تقول أخباره إنه أحبها مدة ولم تكن له الفرصة للقائها ومات دون أن يراها(10).
ولعل أشهر من ارتبط اسمه بهذا النوع من الحب، هو الشاعر جوفري روديل (Jaufré Rudel) أمير بلاي، الذي نظم معظم قصائده في فتاة مشرقية لم يرها في حياته، لكنه هام بحبها لما سمع عنها من أوصاف وخلق حميدة من الحجاج المسيحيين العائدين من أنطاكيا. هذه السيدة المشرقية هي أميرة طرابلس الشرق، وهي حتما لم تكن إفرنجية.
ولم يصل إلينا من شعره في هذا الموضوع سوى ثلاث قصائد فقط من بين الست المثبتة في ديوانه، يقول من الأولى(11):

لا أريد أن يلومني أحد
إذا عشقت من لم ترني أبد
فهي من يجعلني سعيد
تلك التي لم أرها أبد
وأنا مقتنع بهذا الحب
ولا أعلم هل سيتحقق أم لا

ولعل أشهر قصائده عن « الحبيبة المجهولة » تلك التي يقول منها(12):

لما تطول الأيام في شهر مايو
يعجبني غناء العصافير البعيد
وعندما أبتعد وينقطع هذا الغناء
أتذكر تلك الحبيبة البعيدة
أغدو مشغول البال ومطأطأ الرأس
حينئذ لا الغناء ولا أزهار الزعرور
تعجبني أكثر من الشتاء البارد

في القصيدة الأولى من ديوانه، قرر جوفري روديل الانفصال بلطف عن حبيبته، لأنه يريد البحث عن الأفضل. فهو يرى أنه من واجب كل واحد أن يتبع الله إلى بيت لحم، وأن يترك الملذات في هذه الظروف(13). فهو يقصد طبعا سيدة بروفنسية حاول أن يتركها بفرنسا للذهاب إلى الأراضي المقدسة كما يفعل الحجاج والصليبيون.
فجأة تتغير وجهة الشاعر الأمير، فهو لا يريد الذهاب إلى المشرق من أجل المسيح وإنما من أجل فتاة مشرقية هي أميرة طرابلس الشرق. وقد صرح بأنه مستعد لأن يكون هناك أسيرا لدى العرب من أجل رؤية حبيبته(14). ولا نعتقد أن من يريد الذهاب إلى المشرق من أجل السيدة مريم أو السيد المسيح، لا يهمه الأسر عند العرب.
ومن الأرجح أن يكون جوفري روديل قد غير رأيه حول الحروب الصليبية، التي استغلها القوامس والأمراء لتحقيق مآرب شخصية، فاستخدم الشاعر هذه القصائد للسخرية منهم. وقد ذهب شعراء آخرون المذهب نفسه عند ما استخدموا أغاني الحب الكورتوازي لهجو الصليبيين والسخرية من مغامراتهم وفضح نواياهم. ومن ذلك ما جاء عند ماركبرو (Marcabrun) لما تهجم، في قصيدة رعوية على الحرب الصليبية، لأنها تسببت في فراق الحبيبين، فيصور لنا ذلك على لسان الفتاة الريفية التي تبكي فراق حبيبها الذي سيق إلى الحرب، متهجمة على الملك لويس السابع (ت 576 هـ – 1180 م) الذي دعا إلى هذه الحرب وهي الحرب الصليبية الثانية(15).
وكذلك برطران دي بورن (Bertram de Born) الذي تخلف عن الحرب الصليبية لمواجهة صلاح الدين الأيوبي، ويعتذر عن ذلك للقائد كونراد الأول مركيز مونفِرّا (ت 588 هـ – 1192 م) بحجة فيها الكثير من السخرية، رغم أنه شاعر حرب، فمن ذلك يقول(16):

ثم إنني رأيت سيدتي جميلة
وشقراء وبدأ قلبي يضعف
وإلا، لكنت هناك منذ عام

وإن كان جوفري روديل لم ير هذه الأميرة فهو يعتقد بأنها تعذبه، لكنه يرضى بذلك. فالمرء الذي يتحرق بنار الحب، كما يقول، ينبغي ألا يندهش ما دامت حبيبته سيدة جميلة، سواء كانت مسيحية أم يهودية أم مسلمة(17). ومع ذلك فهو يظن أنه لن يرى أميرة طرابلس ولن تراه، لأن هذا الحب مستحيل(18).
لكن جوفري روديل الذي انقطعت أخباره أثناء الحرب الصليبية الثانية سنة 1147 للميلاد، لم يكن مبدعا في هذا الموضوع، ولا غيوم التاسع أيضا، وإنما ظهر هذا النوع من الشعر عند شعراء الأندلس قبل ظهور حركة التروبادور بعدة قرون، وتحدث عنه ابن حزم في « الطوق » في باب « من أحب بالوصف »(19). ولعل الشاعر سعيد بن جودي أمير العرب في ألبيرة ببلاد الأندلس، هو أول من نظم في هذا النوع من الغزل.
عاش سعيد بن جودي في عهد الأمير عبد الله في أواخر عصر لإمارة، وكان يمثل أعلى مرتبة للشاعر الفروسي. كان فارسا بطلا، ومحبا ذليلا، تعد له عشر خصال تفرد بها – في زمانه – لم يدفع عنها، هي: الجود، والشجاعة، والفروسية، والجمال، والشعر، والخطابة، والشدة، والطعن، والحرب، والرماية. عمل على مناهضة عمر بن حفصون المرتد، زعيم المعارضة وهو من المستعربة، ولما مات سوار أحد أمراء العرب، تولى من بعده سعيد بن جودي الإمارة في ألبيرة، ولقب بأمير العرب، ثم قتل غيلة وبتدبير من قبل أصحابه(20). وكان فارسا مكتملا لاتسامه بالحب والفروسية معا، قبل أي شاعر تروبادوري، وهو أول من قال الشعر في الحب البعيد، أو الحبيبة المجهولة كما يصطلح عليه عند الغربيين. أسره عمر بن حفصون قبل أن يتولى سعيد رئاسة العرب.
لقد دخل ذات يوم مدينة قرطبة، واقترب من قصر الأمير محمد بن عبد الرحمن، فسمع جارية تغني لابنه الأمير عبد الله، اسمها جيجان (أو جان)، كانت موصوفة في زمانها بالجمال والحسن، فهام بذكرها، وبحث عن اسمها، حتى اشترى جارية من قرطبة، وسماها جيجان، لكن هذا لم يخفف من هموم حبه للجارية الأولى، التي سمعها تغني ولم يرها، فقال فيها شعرا كثيرا ولم يبق منه سوى هذه المقطوعة التي يقول فيها(21):
سمعي أبا أن يكون الروح من بدني *** فاعتاض قلبي منه لوعة الحزن
أعطيت جيجان روحي من تذكرها *** هذا ولم أرها يوما ولم ترن
فقل لجيجاني: يا سؤلي ويا أملي *** استوصي خيرا بروحي زال عن بدن
كأنني واسمها والدمع منسكب من *** مقلتي راهب صلى إلى وثن
لقد ذهب الهولندي « دوزي » إلى أن البيت الأخير من هذه المقطوعة كأنه لشاعر تروبادوري، فهو ينطبق وما يحمله التروبادور من أفكار وواجبات نحو حبيبته(22). غير أن سعيد بن جودي المتوفى سنة (284 هـ – 897 م)، قد سبق بكثير شعراء التروبادور الذين ظهروا لأول مرة في البروفنس في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي. وهذا يعني أن الشعراء الجوالين هم الذين تأثروا في هذا الموضوع بالشعر العربي في الأندلس.
يشترك الشاعران جوفري روديل وسعيد بن جودي في الكثير من الصفات، فكلاهما شاعر وفارس وأمير، وكلاهما أيضا أحب فتاة مجهولة من غير جنسه. ويعتقد أن يكون جوفري قد قتل من قبل الصليبيين وهو في طريقه إلى الأراضي المقدسة، وقد نال المصير نفسه سعيد بن جودي الذي قتل بتدبير من أصحابه. وكلاهما لم يصل إلينا من أشعاره في هذا الموضوع إلا القليل. وهذا لا يعني أن المؤرخين أعرضوا عنها لأسباب دينية، وإنما كسدت هذه الأشعار لخروجها عن المألوف في كلا الشعرين.
ومن خلال هذا البحث، يتبين لنا أن الدين لم يكن عائقا في وجه المصاهرة بين الملتين، أو تغزل شعراء ملة بفتيات الملة الأخرى، وأن حب الآخر عند هؤلاء الشعراء لم يخضع لقيود عقائدية. ولقد رأينا أن شعراء الأندلس قد استخدموا المعاني المسيحية في قصائدهم من غير تحفظ، وهذا دليل على أن الدين الإسلامي لا يعارض هذا النوع من الحب، بل حب الآخر واحترامه هو من تعاليم هذا الدين الحنيف.
وفي الأخير، ينبغي أن نشير إلى أن الأندلس احتضنت شعراء ومفكرين من غير المسلمين بالإضافة إلى بعض الوزراء والحجاب الأندلسيين الذين كانوا من الملل الأخرى. ففي جوامع الأندلس كان الطلاب الأجانب يدرسون الفلسفة الإسلامية واليونانية، ويُحْيون الدراسات التلمودية والعبرانية. وإن دلّ ذلك على شيء، إنما يدل على مدى التسامح الديني والثقافي الذي عرفه المجتمع الأندلسي مع الطوائف الأخرى. وإذا كان ثمة صراع بين المسلمين وغيرهم منذ القرون الوسطى، فهو لم يكن صراعا مع الدين، وإنما صراع العرب مع غيرهم هو صراع مع الفكر الصليبي الاستعماري والصهيوني الاستيطاني.

الهوامش:
1 – ابن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن الجزيرة، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت 1979، ق 1، م 1، ص 693.
2 – المصدر نفسه، ص 707.
3 – العماد الأصفهاني الكاتب: خريدة القصر وجريدة العصر، قسم شعراء المغرب، تحقيق محمد المرزوقي وآخرون، الطبعة الثانية، تونس 1966، ج 1، ص 27.
4 – المصدر نفسه، ص 24 و46.
5 – ابن حزم: طوق الحمامة في الألفة والألف، تح. حسن كامل الصيرفي، القاهرة 1964، ص 28.
6 – المصدر نفسه، ص 29.
7 – العماد الأصفهاني الكاتب: خريدة القصر وجريدة العصر، ج 1، ص 59.

8 – Robert Briffault : Les Troubadours et le sentiment romanesque, Ed. du Chêne, Paris 1943, p. 47.
9 – Alfred. Jeanroy : Les chansons de Guillaume IX, Ed. Champion, 2e éd., Paris 1972, p. 7.
10 – Jacques Roubaud : Les Troubadours, Ed. Seghers, Paris 1980, p. 142.
11 – Alfred Jeanroy : Les chansons de Jaufré Rudel, p. 16.
12 – Ibid., pp. 12 – 13.
13 – Ibid., p. 3.
14 – Ibid., p. 14.
15 – Pierre Bec : Anthologie des Troubadours, U.G.E., Paris 1979, p. 90.
16 – Ernest Hoepffner : Les Troubadours, dans leur vie et dans leurs œuvres, Ed. Armand Colin, Paris 1955, p. 118.
17 – Alfred Jeanroy : Les chansons de Jaufré Rudel, p. 4.
18 – Ibid., p. 17.

19 – ابن حزم: طوق الحمامة في الألفة والألاف، ص 20.
20 – ابن الأبار: الحلة السيراء، القاهرة 1963، ج 1، ص 155 وما بعدها. انظر أيضا، ابن حيان: المقتبس، نشر ملشور أنطونيا، باريس 1937، ق 3، ص 123.
21 – ابن الأبار: المصدر السابق، ص 157.

22 – Reinhardt Dozy : Histoire des Musulmans d’Espagne, Ed. Brill, Leyde 1932, Vol. 2, p. 37.

المصدر:
نشر هذا المقال في مجلة « حوليات التراث »، العدد الرابع، سنة 2005، جامعة مستغانم، الجزائر.
د. محمد عباسة