الفلسفة العقلانية عند ابن رشد

نحاول من خلال هذه الدراسة أن نوضح الحقائق الإيجابية في فلسفة ابن رشد، ونلقي الضوء حول الأسباب التي دعت بعض العلماء من مسلمين ونصارى ويهود إلى محاربة العقلانية الرشدية. فأبو الوليد بن رشد يعد أكبر شارح لفلسفة أرسطو، وقد انتدب نفسه للدفاع عن الفلاسفة ومعارضة آراء الإمام الغزالي التي تحامل فيها على الفلاسفة المسلمين، مما جعل المتكلمين واللاهوتيين يتهمون ابن رشد بالإلحاد. غير أن فيلسوف قرطبة هو أول من حاول التوفيق بين الشريعة والحكمة.
ومع ذلك ظهر فلاسفة كثيرون في أوربا تتلمذوا على ابن رشد من خلال الترجمات التي قام بها النصارى واليهود في جنوب أوربا في القرون الوسطى. وأما العرب، فقد أهملوا العلوم العقلية بعد وفاة ابن رشد، وكان ذلك من بين العوامل التي أدت إلى انحطاط الحضارة العربية الإسلامية، منذ نهاية القرن الخامس عشر الميلادي إلى غاية النهضة العربية الحديثة.
ولد أبو الوليد بن رشد حكيم قرطبة في عام 1126 للميلاد بالأندلس، وتوفي ليلة الخميس العاشر من ديسمبر عام 1198 للميلاد بمراكش. وفي الذكرى المئوية الثامنة لوفاته، كان لزاما علينا أن نعود إلى فكر هذا الفيلسوف العظيم، لا لأنه أثر في توجيه الثقافة الأوربية فحسب، بل أيضا لنتأمل في الظروف التي فصلت بينه وبين مفكري العرب، وجعلت المجتمع العربي يتخلف عن الركب الحضاري منذ نهاية القرن الخامس عشر الميلادي.
لقد درس أبو الوليد بن رشد الفقه وحفظ الموطأ، كما درس الطب والرياضيات والفلسفة. وقد اتصل بكبار علماء عصره الذين كانوا يجتمعون في قصر خلفاء الموحدين. وفضلا عن التأليف، تولى ابن رشد القضاء في إشبيلية وقرطبة في عهد الخليفة يوسف. وفي عهد المنصور، ازدادت منزلة الفيلسوف في البلاط الموحدي، فكان يجالس الخليفة ويتحادثان في العلم والفلسفة. هذه المنزلة أدت بالفقهاء إلى السعي به عند الخليفة(1)، ليضطهد الرجل ورفاقه وتحضر العلوم العقلية. لقد زعموا أنهم وجدوا في بعض تلاخيصه الفلسفية أنه حكى عن بعض الفلاسفة أن الزهرة هي أحد الآلهة.
وقد نفى ابن رشد ما نسب إليه من الأقوال في الشريعة ما يخالف الدين، واعتبر ذلك افتراء من خصومه. غير أن أعداء ابن رشد عملوا على إثارة مشاعر الجمهور على المشتغلين بالفلسفة، وزعموا أن الفلاسفة زنادقة، يجب تحريم كتبهم وحرقها. فلم ير الخليفة المنصور من بدّ إلا أن يعرض كتـب ابن رشد الفلسفية على الفقهاء ليدلوا برأيهم فيها. فكان الرأي الذي اتفقوا عليه هو مروق أبي الوليد عن الدين وتناقض آرائه مع الشريعة.
وقد نجح فقهاء قرطبة في إبعاد ابن رشد، بحيث نفي إلى بلدة اليسانة القريبة من قرطبة. ثم نشر الخليفة المنصور في الأندلس والمغرب بيانا يدعو فيه الناس إلى الابتعاد عن الفلسفة ويأمرهم بإحراق كتب الفلاسفة. كما نفى المنصور فلاسفة آخرين من قرطبة إلى بلد آخر. غير أن هذا الخليفة ظل يدرس الكتب العقلية في الخفاء خوفا من الفقهاء الذين كانوا يتحكمون في زمام الأمور.
ومن المحتمل جدا أن يكون هؤلاء الفقهاء قد اطلعوا على تفاصيل القصة التي رواها أرسطوطاليس المتوفى سنة 322 قبل الميلاد في كتابه إلى أنطيطوس، والتي مفادها: “أن رجلا من الكهنة الذين يسمون الكمريين يقال له أورماذن أراد السعاية بأرسطوطاليس، ونسبه إلى الكفر وأنه لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد في ذلك الوقت، بسبب ضغن كان في نفسه عليه” (2). فلما أحس أرسطو بذلك، خرج من أثينا ولجأ إلى بلاده. فالظروف التي أحاطت بمحنة أبي الوليد بن رشد لما اتهم بالكفر والإلحاد، لم تختلف عما ذكره المعلم الأول في كتابه.
ولما عفي عن ابن رشد استدعاه الخليفة إلى مراكش، غير أنه لم يعش بعد ذلك أكثر من سنة حتى توفي وحمل جثمانه إلى الأندلس ليدفن بقرطبة. وبوفاة ابن رشد، يكون قد رحل آخر أكبر أعمدة الفلسفة العربية الإسلامية منذ عصره حتى اليوم. أما تلامذته فقد عملوا على إقناع الناس بأن أبا الوليد لم يجحد في الدين، وأن الفلسفة لا تخالف الشريعة كما زعم بعض الفقهاء ممن كان لهم النفوذ في بلاط الموحدين. وفي الحقيقة أن ابن رشد إنما اضطهد لأنه بلغ منزلة متميزة في السلطة. وأن مذهبه المبني على التنوير العقلي وكشف الحقائق، هدد مصالح أعدائه. ولعل هذا الجانب كان أساسا في نكبة ابن رشد، لأن كل من الإكليروس والفقهاء قد وقفوا على مر العصور في وجه الفلاسفة للحيلولة دون عقلنة العلوم الدينية، وقد انتدبوا الكلاميين للرد على العقلانيين.
يعد ابن رشد أعظم شارح لأرسطو، ولم يقتصر عمله على تفسير الفلسفة اليونانية فحسب، بل اتخذ منهجا أصيلا في فلسفته. فقد اكتشف أن المترجمين العرب الذين نقلوا فلسفة أرسطو ولخصوها، تصرفوا كثيرا في كتاباتهم مما أدى إلى تشويه بعض آراء المعلم الأول. أما هو، أي ابن رشد، فقد أثبت بجدارة على أصالته الفكرية، لذلك أقبل الكثير من الناس على فلسفته وكادوا يتناسون شروحات الآخرين. ولم يكن أرسطو معروفا كثيرا في أوربا قبل ابن رشد، رغم أن أعمال هذا الفيلسوف اليوناني كانت قد ترجمت إلى العربية قبل عصر ابن رشد. لكن براعة أبي الوليد في الشرح هو الذي جعل من أرسطو أكثر فلاسفة اليونان شهرة في أوربا.
لم يكن ابن رشد يعرف من اليونانية شيئا، لذلك فهو لا يعد مترجما وإنما شارحا كما يسميه دانتي أليغييري في “الكوميديا”. لكن كيف تفوق حكيم قرطبة على أضرابه في شرح أرسطو دون الرجوع إلى الأصل اليوناني. هذا العمل لا يقوى عليه إلا حكيم بارع. ولم يكتف ابن رشد بالشرح بل سبق أستاذه أحيانا في أمور كثيرة(3). وبالإضافة إلى شرحه كتب الفلاسفة، ألف ابن رشد كتبا في الفقه والكلام وفي المنطق والجدل الفلسفي. ولعل أشهر كتبه على الإطلاق “فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال” في علم الكلام، وكتاب “تهافت التهافت” في الجدل الفلسفي الذي يرد فيه على أبي حامد الغزالي المتوفى سنة 1111 للميلاد.
يعد ابن رشد حامل لواء الفلاسفة العقلانيين وقد رد في كثير من المسائل على المتكلمين وعلى الخصوص الإمام الغزالي صاحب كتاب “تهافت الفلاسفة” الذي عارضه أبو الوليد. أما وجهة الخلاف بينهما فتكمن في وجود الكون والخالق والفناء. فبينما يقول المتكلمون بحدوث الكون والتصرف المطلق للخالق وخلود الروح، يرى الحكماء أن الكون لم يخلق من العدم وإنما من مادة، وأن الأسباب هي التي تؤدي إلى حدوث الأشياء في الكون لأن الخالق ليس مسئولا عن تصرف المخلوق من خير أو شر. أما خلود النفس فقد انقسم فيها الفلاسفة إلى فريقين. فريق يذهب إلى وجود عقل عام فاعل وعقل فردي منفعل وأن الخلود لا يكون إلا للعقل العام أي للإنسانية، أما الإنسان فإنه يفنى في العقل العام، وهذا الرأي إنما يتناقض مع العقيدة. أما الفريق الآخر، فيعتقد بخلود الإنسان، وهو بذلك لا يختلف عن المتكلمين. وكان ابن رشد قد ذهب إلى الرأي نفسه في بعض مؤلفاته، غير أنه لم يعلق على مذهب أرسطو أثناء شرحه لآرائه، وهذا الغموض عند ابن رشد جعل المتكلمين واللاهوتيين يعتقدون بأن حكيم قرطبة لا يؤمن بخلود الروح.
من الحقيقة بما كان، أن ابن رشد لم يتراجع عن اعتقاده بخلود الروح، وإنما أسيء فهمه في شرح أرسطو، لقد كان دائما يذهب مذهبا معتدلا عندما يتعلق الأمر بالمسائل الخطيرة. وحين يريد الدفاع عن المعلم الأول، نجده يحاول التوفيق بين العلوم اليونانية والعقيدة معتمدا في ذلك على التأويل والاجتهاد. لذلك نرى أن المذهب الوسطي الذي انتهجه شيخ العقلانيين يتفق كثيرا مع الدين الإسلامي الحنيف الذي من تعاليمه الحل الوسط.
ولم يختلف ابن رشد كبقية الفلاسفة في مسألة قدم العالم، إلا أنه لم يبين ذلك ببرهان، فكان جوابه غامضا. لكنه لجأ إلى هذه الطـريقة لمجادلة أنصار رأي حدوث العالم. ونحن لا نتفـق مع دعاة العالم الأزلي، ونعتقد أن ابن رشد لم يكن في نيته التعصب إلى هذا الرأي، وإنما أراد أن يقول إن أدلة المتكلمين على حدوث العالم كما وردت عند الغزالي ليست يقينية وتفتقر إلى براهين، فالعكس يكون أقنع حتى وإن لم يكن صحيحا(4). فمسألة حدوث الكون ينبغي أن نقتنع بها بديهيا دون الحاجة إلى برهان، لأنها كالروح، كلاهما من أمر الخالق.
أخذ الإمام الغزالي على الفلاسفة مخالفتهم لعقائد أهل السنة في عشرين مسألة، من يقول بها فهو إما فاسق أو كافر. وقد كفر أبو حامد الغزالي الفارابي المتوفى سنة 950 للميلاد وابن سينا المتوفى سنة 1037 للميلاد وغيرهما من المشائين فيما نسب إليهم من أنهم يقولون إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات(5). لكن ابن رشد لا يرى أي إشكال في ذلك. فهو يقول إن الله يعلم الجزئيات بعلم غير مجانس لعلمنا بها، فإن علمه لا يقاس بعلم البشر(6). وهذا ما كان يذهب إليه أبو نصر الفارابي حين يقول: “وأما جل المعقولات التي يعقلها الإنسان من الأشياء التي هي في مواد، فليست تعقلها الأنفس السماوية لأنها أرفع رتبة بجواهرها عن أن تعقل المعقولات التي هي دونها” (7).
ولم يكن الغزالي أول من انتدب نفسه للرد على الفلاسفة، بل كان ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة 1064 للميلاد وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني المتوفى سنة 1082 للميلاد، قد سبقا الإمام الغزالي في الرد على الحكماء. لكن الإمام الغزالي قد انفرد بأسلوبه في مجادلة الفلاسفة. فهو ينعتهم بأنهم كفار وأغبياء وملاحدة وزمرة الشياطين. وهذا يتناقض مع الدين الإسلامي الذي يحث المسلم على مجادلة الغير بالتي هي أحسن. غير أن تحامل الغزالي على ابن سينا والفارابي وغيرهما، ما هو إلا اعتراض على تنبيه العقل وإدراك الأمور. وفي الوقت نفسه لا ننكر ما كان للإمام أبي حامد من فضل في إحياء علوم الدين، لكن كم كنا نتمنى لو لم يكتب “التهافت”، لا لأنه رد على الفلاسفة، وإنما الطريقة التي استخدمها في رده لم تكن لتليق بمقام شيخ جليل مثله.
أما ابن رشد، فقد استغرب نوايا الغزالي، فهو يرى أن هذا القصد لا يليق إلا بالذين في غاية الشر(8). ويتهمه بأنه يصطنع حججا لتزييف مذهب الفلاسفة، وأنه يتقول عليهم وينسب إليهم ما لم يقولوه. فكان اللاهوتيون في أوربا قد استخدموا الطريقة نفسها للاعتراض على فلسفة ابن رشد وتحريم الاشتغال بها. ورغم ذلك، فإن الأوربيين قد ورثوا عن ابن رشد، البرهان العقلي الذي اتخذوه معيارا لبناء حضارتهم، في حين كان اللاهوتيون يعتمدون على التفسير الجدلي.
كان ابن رشد معتدلا في رده على الغزالي. لقد حرص لكي لا تتسع رقعة الخلاف بين المتكلمين والحكماء. فهو يرى أن للجمهور تعليم غير الذي يكون للخاصة، وأن مخالفة ذلك لا يقبله الشرع ويضر بالفلسفة والدين معا(9). وقد لام أبو الوليد الإمام الغزالي على نشره أمورا خطيرة في أوساط العامة الذين لا يفقهون فيها، وتحريضهم على العقلاء. ويغلب الظن أن ابن رشد قد تأثر بقدماء فلاسفة اليونان في منهجه التعليمي. لقد كان أفلاطون المتوفى سنة 347 قبل الميلاد يرمز حكمته ويتكلم بها ملغزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة(10). وكان أرسطو أيضا قد أوصى بعدم إشراك العامة في المسائل العقلية لأنهم يغلبون العاطفة على العقل.
لقد شغل مفكرو الإسلام بالتوفيق بين العقل والوحي، وبين ما جاء في الفلسفة اليونانية القديمة وبين الدين الإسلامي. ويعد ابن رشد أول فيلسوف أتم محاولة التوفيق بين الحكمة والشريعة(11). ومع ذلك، فإن أبا الوليد لم يكن متزمتا في رأيه، بل كان يعترف بعجز العقل أمام بعض الحقائق الإلهية. لقد تصدى كل من المتكلمين واللاهوتيين للآراء الرامية إلى عقلنة الشريعة. غير أن العقلانيين وعلى رأسهم ابن رشد، لم يكونوا يقصدون تجريد رجال الدين من سلطتهم، بل كانوا يسعون من وراء أفكارهم إلى تنوير عقول الناس واعتماد التأويل من أجل تحرير الإنسان. فالعقلانية غايتها الاعتدال في كل الظروف، ولا تتفق مع العلمانية في شيء.
كانت قرطبة فيما مضى تحمل إليها كتب علماء الأندلس بعد وفاتهم. لكن بعد موت ابن رشد وحرق ذخائر العرب في مدينته، أصبحت الكتب تنقل من قرطبة وغيرها من المدن الأندلسية إلى بلاد الإفرنج لتترجم وتدرس. وكأن علماء الأندلس كانوا يكتبون للإفرنج وليس للمسلمين. فمنذ سقوط الأندلس وإلى غاية عصر النهضة العربية الحديثة، لم يول العرب اهتماما لكتب علمائهم.
أما الذين اهتموا بفلسفة ابن رشد من الأوربيين، فقد انقسموا إلى فئات. منهم من كان يستشهد بآراء المتكلمين لنقض فلسفة ابن رشد القرطبي وتحريم كتبه ونبذ المذهب العقلاني، ومنهم من كان يدرس الفلسفة الرشدية طلبا للمعرفة، ومنهم من كان يستخدم فلسفة ابن رشد لمحاربة الإكليروس وكشف مزاعمهم وخداعهم معتمدا على عقلنة الأمور الشرعية. أما فريق من الفلاسفة فقد استغل الفلسفة الرشدية لأغراض أيديولوجية، فكان يقتطع ما يوافقه من آراء ابن رشد ويتحاش ما يدعو إلى التوفيق بين الحكمة والشريعة، فكان بهذه الطريقة قد صور الفلسفة العقلانية عدوة للدين، فمن هؤلاء العبرانيون وبعض الرشديين اللاتينيين. وقد نتج عن ذلك إرساء العلمانية في أوربا وانتقال السلطة من الإكليروس إلى فئة من البرجوازيين يستخدمون الكنيسة لحسابات سياسية.
انتقلت الفلسفة العربية الإسلامية إلى أوربا عن طريق مدرسة مترجمي طليطلة. غير أن هذه الترجمات التي تمت بالأندلس كانت حافلة بالأخطاء، بسبب تمسك أصحابها بحرفية النقل(12). بيد أن ترجمة الفلسفة العربية لم تقتصر على أرض الأندلس، بل نشطت كذلك في إيطاليا وفرنسا. وقد أشار ابن خلدون المتوفى سنة 1405 للميلاد في “المقدمة” إلى الاهتمام الكبير الذي كان يوليه الفرنجة في ذلك العصر(13). ولعل موسى بن ميمون المتوفى سنة 1204 للميلاد هو أشهر من اهتموا بالفلسفة الرشدية. وكان هذا اليهودي قد تتلمذ على فلاسفة قرطبة قبل أن يفر إلى فرنسا خوفا من الاضطهاد الذي تعرض له الفلاسفة في العهد الموحدي(14). ورغم اختلافه مع ابن رشد، فإن موسى هذا أنشأ مذهبا فلسفيا وسطا يقترب كثيرا من العقلانية، فهو يعتمد على التأويل أيضا ولا يعتبر افتراضات الحكماء كفرا. أما الكنيسة فقد اعتبرت هذا المذهب دينا جديدا يناقض الكتب المقدسة.
وفي لونيل (Lunel) بجنوب فرنسا، كان موسى بن تيبون الأندلسي المتوفى سنة 1260 للميلاد، أول من ترجم تلاخيص ابن رشد لأرسطو إلى العبرانية. أما أول من ترجم فلسفة ابن رشد إلى اللاتينية فهو مخائيل الاسكتلندي المتوفى سنة 1235 للميلاد الذي كان يشتغل في معهد المترجمين بطليطلة، قبل أن يلتحق بفريدريك الثاني إمبراطور ألمانيا المتوفى سنة 1250 للميلاد الذي عمل على نشر الفلسفة العربية في أوربا واستخدامها لمواجهة اللاهوتيين وهيمنتهم.
لقد بلغت الفلسفة الرشدية أوج ازدهارها في القرن الرابع عشر الميلادي في جامعات فرنسا وإيطاليا، غير أنه في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، لجأ المدرسيون إلى النصوص اليونانية الأصلية. وقد اتخذوا من الفلسفة اليونانية وسيلة للتوسط بين الرشدية العقلانية ومذهب اللاهوت. لكن هذا المذهب الذي يدعو إلى إحياء علوم الإغريق لم يلق استحسان الإكليروس لاعتماده على العقل والمنطق. غير أن هذه الفلسفة اليونانية الأصيلة لم تعمر طويلا، ففي القرن السابع عشر الميلادي، استطاع فلاسفة أوربا أن ينشئوا مذهبا جديدا يسمى الفلسفة الأوربية الحديثة. وكان فرنسيس باكون المتوفى سنة 1626 للميلاد من مؤسسي هذه الفلسفة الوضعية التي تعتمد على المعاينة والتجربة والاختبار(15). وقد أدى ذلك فيما بعد، إلى احتجاب السلطة الإكليروسية نهائيا وظهور اللائكية.
لقد نشأ مذهب الرشدية اللاتينية عند المدرسيين في كلية باريس، وكان زعيمه سيجر البرابانتي المتوفى سنة 1283 للميلاد. ورغم تعصب الرواشد لابن رشد إلا أنهم جعلوه يقول أشياء لم يقلها قط. مما جعل الكنيسة تشن حملة عنيفة على فلسفة ابن رشد وأتباعه. لقد ذهب سيجر إلى أن العقل والإيمان لا يجتمعان، وقد زعم أنه استمد هذا الرأي من فلسفة ابن رشد. أما حكيم قرطبة الذي دعا إلى التوفيق بين الشريعة والحكمة، فهو بريء من الرشدية اللاتينية التي حرفت أقواله.
أما معارضو الفلسفة الرشدية فهم كثيرون، وعلى وجه الخصوص اللاهوتيون الذين أصدروا عرائض تمنع دراسة الفلسفة الرشدية. ولعل أشهر اللاهوتيين الذين قاموا على فلسفة ابن رشد، غيوم دوفرن المتوفى سنة 1249 للميلاد والقديس توما الأكويني المتوفى سنة 1274 للميلاد، وهذا الأخير من أعظم فلاسفة اللاهوت في أوربا. أما أشد أعداء الفلسفة العربية، فهو رايمون لول المتوفى سنة 1395 للميلاد الذي كرس حياته في محاربة الإسلام وتحريض الناس على فلسفة المسلمين.
كان القديس توما الأكويني أشد خصوم الفلسفة الرشدية، ومع ذلك فهو يعد من تلامذة ابن رشد، لأنه يتفق معه في بعض المسائـل خاصة تلك التي تتعلـق بالتوفيق بين الدين والحكمة، كما تأثر به في المنهج وطريقة التأليف. أما رايموندو مارتين المتوفى سنة 1286 للميلاد زعيم المدرسة الدومينيكية فقد اعتمد على طريقة الإمام الغزالي في الرد على ابن رشد. وكان رايمون لول أيضا قد اعتمد على براهين الغزالي المنطقية ضد الفلاسفة، لإفساد فلسفة ابن رشد.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقول بأن جميع رجال الدين المسيحي قد وقفوا في وجه الفلسفة الرشدية. فعلى خلاف الدومينيكيين الذين حاربوا الفلسفة العربية لتمسكهم بتعاليم الإكليروس، فإن الرهبان الفرانسيسكان الذين ينصرون العقل، ظلوا يدعون إليها ويدرسون كتب ابن سينا وابن رشد في باريس وأكسفورد. أما أشهر من درس فلسفة ابن رشد من هذه الطائفة، فهو روجي باكون المتوفى سنة 1292 للميلاد الذي تأثر به رغم مخالفته في بعض المسائل.
لم يشتهر ابن رشد في العالم الإسلامي كما اشتهر في أوربا. بل لم يذع مذهبه ونسيت مؤلفاته بعد موته. وقد يرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها حرق كتبه بقرطبة، ومنها أيضا اتهامه بالكفر والإلحاد لاشتغاله بفلسفة الغابرين. غير أن حكيم قرطبة كان يهتم فقط بالأمور العقلية عند قدماء اليونان، فيقبل بعضها ويرفض البعض الآخر. وقد أكد العلامة ابن خلدون على ذلك في “المقدمة” بقوله: “إن فلاسفة الإسلام خالفوا كثيرا من آراء المعلم الأول واختصوه بالرد والقبول لوقوف الشهرة عنده” (16). وكان ابن رشد قد دعا إلى ذلك أيضا في “فصل المقال”(17).
وإذا عدنا إلى فلاسفة اليونان الذين أخذ عنهم العرب الحكمة، نجد منهم أفلاطون قد دعا إلى الفضائل وصدق العقل والعدل. وأما سقراط المتوفى سنة 399 قبل الميلاد، فقد خالف اليونانيين في عبادتهم الأصنام ودعا إلى عبادة الله وحده وفضل الموت من أجل ذلك. لكن هل يعقل أن ندين كل من يقرأ لهؤلاء الفلاسفة الذين نبذوا الأصنام ودعوا إلى التوحيد، في حين نقبل على الشعر الجاهلي بنهم ونستشهد به في المذاهب التعليمية رغم أن أصحابه كانوا من عبدة الأصنام.
وأخيرا، ينبغي أن نشير إلى أن العرب بعد ما فقدوا الاستقرار السياسي في القرون الوسطى ووقعوا تحت حكم غيرهم، مال المثقفون منهم إلى التصوف ونظم الشعر الشعبي والابتعاد عن العلوم الدنيوية، ولم يبدوا أي اهتمام بالترجمة، كما حرموا على أنفسهم العلوم العقلية، واعتقدوا أن الحكمة جزء من الكفر. فإن عدم توفيق المسلمين بين العلوم الإغريقية والعلوم الدينية، نتج عنه انحطاط فكري دام عدة قرون، وخاصة في مجال العلوم التقنية(18). وهكذا نجد التاريخ يعيد نفسه، فكما لجأ الأوربيون في القرون الوسطى إلى العرب عندما احتاجوا إلى الفلسفة الإغريقية، نجد العرب اليوم، وبعد سبات طويل، يلجأون إلى الإفرنج لجمع فلسفة ابن رشد، لأن أكثر الكتب التي ألفها حكيم قرطبة في الفلسفة، قد ضاعت أو حرفت أصولها العربية.

الهوامش:
1 – ابن عذاري المراكشي: البيان المغرب، تحقيق هويسي ميراندة، تطوان 1960، ص 202. انظر أيضا، عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العريان، القاهرة 1963.
2 – ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، دار الثقافة، الطبعة الثالثة، بيروت 1981، الجزء الأول، ص 85.
3 – غوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، بيروت 1979، ص 538.
4 – أبو الوليد بن رشد: تهافت التهافت، تحقيق موريس بويج، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1930، ص 4 – 5.
5 – أبو حامد الغزالي: تهافت الفلاسفة، بيروت 1962، ص 164 وما بعدها.
6 – أبو الوليد بن رشد: فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، الجزائر 1982، ص 41.
7 – أبو نصر الفارابي: كتاب السياسة المدنية، تحقيق د. فوزي متري نجار، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1964، ص 34.
8 – أبو الوليد بن رشد: تهافت التهافت، ص 352 وما بعدها.
9 – المصدر نفسه، ص 352 وما بعدها.
10 – ابن أبي أصيبعة: المصدر السابق، ص 79.
11 – أبو الوليد بن رشد: فصل المقال، ص 24.
12 – أنخل غنثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، تحقيق د. حسين مؤنس، القاهرة 1955، ص 359.
13 – ابن خلدون: المقدمة، دار القلم، الطبعة السابعة، بيروت 1989، ص 481.
14 – فرح أنطون: ابن رشد وفلسفته، دار الفارابي، بيروت 1988، ص 127.
15 – المصدر نفسه، ص 153.
16 – ابن خلدون: المصدر السابق، ص 481.
17 – ابن رشد: فصل المقال، ص 28.
18 – لويس يونغ: العرب وأوربا، ترجمة ميشيل أزرق، دار الطليعة، بيروت 1979، ص 115.

المصدر:
نشر هذا المقال في المجلات التالية:
– مجلة “حوليات التراث”، العدد الحادي عشر، سنة 2011، جامعة مستغانم، الجزائر.
– مجلة “الاختلاف”، العدد الثالث، سنة 2003، الجزائر العاصمة.
د. محمد عباسة